بيننا ، أمّا إجمال المخاصمة أنّه ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ وظلم أحدنا الآخر ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنا﴾ واقطع خصومتنا ﴿بِالْحَقِ﴾ والعدل ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ في الحكم ولا تجر في القضاء ﴿وَاهْدِنا﴾ بحكمك ﴿إِلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ ووسط الطريق بزجر الباغي عن ما سلكه من طريق الجور ، وإرشاده إلى منهج العدل ، ثمّ حكى سبحانه تفصيلها بقوله : ﴿إِنَّ هذا﴾ الرجل الذي يكون معي ﴿أَخِي﴾ في الدين ، أو في الصحبة ، أو في النسب على الفرض ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ والضأن الانثى ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ ليس لي غيرها ﴿فَقالَ﴾ مع اخوّته المقتضية لتعطّفه : ﴿أَكْفِلْنِيها﴾ وملّكنيها لتكون لي مائة نعجة ﴿وَعَزَّنِي﴾ وغلبني ﴿فِي الْخِطابِ﴾ والحجج.
عن ابن عبّاس : كان أعزّ منّي وأقوى في مخاطبتي ، لأنّه كان ملكا (١) .
فلمّا سمع داود ذلك ﴿قالَ﴾ والله ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ أخوك ﴿بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ الواحدة ليضمّها ﴿إِلى نِعاجِهِ﴾ الكثيرة ﴿وَ﴾ ليس هذا الظلم منه أمرا بديعا ، بل ﴿إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ﴾ والشركاء ، أو المصاحبين ﴿لَيَبْغِي﴾ ويتعدّى ﴿بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ ولا يراعي حقّ الصحبة والشّركة ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله واليوم الآخر ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ فانّهم يراعون حقوق الناس ولا يظلمون أحدا سواء أكان شريكا أو مصاحبا أو غيرهما ، ﴿وَ﴾ لكن ﴿قَلِيلٌ ما﴾ ويسير في الغاية ﴿هُمْ﴾ في الأزمنة كلّها.
قصة داود وتزويجه ميشاوع زوجة اوريا
حكى بعض العامة أن أوريا خطب ميشاوع أو ميشاويع (٢). بنت شايع ، فأجابته قومها ، ثمّ غاب أوريا وذهب إلى قتال البلقاء قبل أن يعقد عليها ، ثمّ خطبها داود فزوّجت منه لجلالة قدره ، فاغتم لذلك أوريا ، فعاتبه الله تعالى على أنه خطب على خطبة أخيه المسلم مع عدم حاجة ، لأنّه كان تحته وفي حبالته تسع وتسعون امرأة ، ولم يكن لأوريا غير التي خطبها (٣).
وقيل : إنّ داود رأى امرأة أوريا ، فمال قلبه إليها ، وابتلي بحبّها ، فسأله داود أن يطلّقها ، فاستحيى أن يردّه ، فتزوجها وولد منها سليمان ، وكان ذلك جابرا في شريعته معتادا بين امّته ، خلا أنّه عليهالسلام لعظمة منزلته وعلوّ شأنه نبّه بالتمثيل على أنّه لم يكن ينبغي له أن يسأل رجلا ليس له إلا امرأة واحدة أن ينزل عنها ويتزوجّها مع كثرة نسائه (٤) .
روي أنّ داود قال للخصم : إنّ رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا - وأشار إلى الأنف والجبهة - فقال :
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ١٧.
(٢) في تفسير روح البيان ٨ : ١٨ : بنشاوع أو بنشاويع.
(٣) تفسير روح البيان ٨ : ١٩.
(٤) تفسير أبي السعود ٧ : ٢٢٢ ، تفسير روح البيان ٨ : ١٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
