ينذرهم من عذاب الله ، وهو ﴿مِنْهُمْ﴾ وبشر مثلهم يأكل ويمشي بينهم ، ولم يتعجّبوا من أن تكون المنحوتات آلهة ، مع أنّ الثاني من العجائب لا الأول ، فلمّا رأوا المعجزات الصادرة منه ﴿وَقالَ الْكافِرُونَ هذا﴾ هو ﴿ساحِرٌ﴾ فيما يظهره من الخوارق للعادة و﴿كَذَّابٌ﴾ في دعوى الرسالة والتوحيد ونزول الوحي والآيات إليه من السماء ، وكون ما يأتي به معجزة أقدره الله عليها للشهادة على صدقه.
﴿أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ
امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ * ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ
الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٥) و (٧)﴾
ثمّ استشهدوا على كذبه بادّعائه التوحيد مع بعده في زعمهم بقوله : ﴿أَ جَعَلَ﴾ محمد ﴿الْآلِهَةَ﴾ الكثيرة التي نعبدها ﴿إِلهاً واحِداً﴾ في زعمه ﴿إِنَّ هذا﴾ [ أي ] الدعوى ﴿لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ وأمر بعيد عن الأذهان لم يقل به أحد من آبائنا الأولين. قيل : إنّهم قالوا ثلاثمائة وستين إلها لا تكفي لتنظيم امور أهل مكة ، فكيف ينتظم أمر العالم بآله واحد (١) .
روي أنه بعد إسلام حمزة وعمر ، جاء أشراف قريش كالوليد بن المغيرة ، وأبي سفيان ، وأبي جهل وأضرابهم إلى أبي طالب ، وقالوا : يا عبد مناف ، أنت شيخنا وكبيرنا ، قد علمت ما فعل هؤلاء السّفهاء - يعنون المسلمين - فجئنا لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. فاستحضر أبو طالب رسول الله صلىاللهعليهوآله وقال : يا بن أخي ، هؤلاء قومك يسألونك السؤال فلا تمل كلّ الميل على قومك. فقال صلىاللهعليهوآله : « ماذا يسألونني ؟ » فقالوا : ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا ، وندعك وإلهك. فقال صلىاللهعليهوآله : « أرايتم إن أعطيتكم ما سألتم ، أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم العجم ». قالوا : نعم. قال : « تقولون لا إله إلّا الله » فقاموا وقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا (٢) .
﴿وَانْطَلَقَ﴾ وذهب ﴿الْمَلَأُ﴾ من قريش والأشراف ﴿مِنْهُمْ﴾ وهم على ما قيل خمسة وعشرون من مجلس أبي طالب (٣) بعد ما شاهدوا تصلّب النبيّ صلىاللهعليهوآله في دينه ، ويئسوا ممّا كانوا يرجونه من المصالحة بتوسّط أبي طالب ، وقال لهم عقبة ابن أبي معيط على ما قيل : ﴿أَنِ امْشُوا﴾ يا قوم على طريقتكم ، وسيروا على مذهبكم ، ولا تكلّموا محمدا بعد ، فانّه لا فائدة في مكالمته (٤) . ﴿وَاصْبِرُوا﴾
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٥.
(٢) تفسير روح البيان ٨ : ٥ ، تفسير الرازي ٢٦ : ١٧٧ ، تفسير البيضاوي ٢ : ٣٠٧ ، تفسير أبي السعود ٧ : ٢١٥.
(٣) تفسير الرازي ٢٦ : ١٧٧ ، تفسير أبي السعود ٧ : ٢١٥ ، تفسير روح البيان ٨ : ٥.
(٤) تفسير روح البيان ٨ : ٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
