واثبتوا ﴿عَلى﴾ عبادة ﴿آلِهَتِكُمْ﴾ وأصنامكم ﴿إِنَّ هذا﴾ الصبر والثبات على الدين ﴿لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ وأمر يطلب.
قيل : يعني أنّ هذا الذي شاهدنا من محمد من أمر التوحيد ونفي آلهتنا لشيء يراد من جهة إمضائه وإنفاذه لا محالة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه ، فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله عن رأيه بواسطة أبي طالب وشفاعته ، وحسبكم أن لا تمنعوا عن عبادة آلهتكم بالكلية ، فاصبروا عليها ، وتحمّلوا ما تسمعون في حقّها من القدح وسوء المقال (١) .
وقيل : يعني أنّ هذا الهتك الذي نراه بآلهتنا ، والقدح الذي نسمع فيهم ، لأمر يراد بنا ، ومكر يمكر علينا (٢) ، أو المراد أنّ دينكم لشيء يستحقّ أن يطلب ، فيكون ترغيبا فيه ، وتعليلا للأمر بالصبر (٣) . أو المراد أنّ هذا الذي نرى من محمد من المخالفة لديننا ، هو شيء يراد بنا من حوادث الزمان الذي لا مناصّ منه (٤) .
وعن الباقر عليهالسلام ، قال : أقبل أبو جهل ومعه قوم من قريش ، فدخلوا على أبي طالب ، فقالوا : إن ابن أخيك قد آذانا وآذى آلهتنا ، فادعه وأمره أن يكفّ عن آلهتنا ، ونكفّ عن آلهته. فبعث أبو طالب إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله فدعاه ، فلمّا دخل النبي صلىاللهعليهوآله لم ير في البيت إلّا مشركا. فقال : السّلام على من أتّبع الهدى. ثمّ جلس ، فخبّره أبو طالب بما جاءوا له. فقال صلىاللهعليهوآله : وهل لهم في كلمة خير لهم من هذا ، يسودون بها العرب ويطؤون أعناقهم (٥) ؟ فقال أبو جهل : نعم ، وما هذه الكلمة ؟ قال صلىاللهعليهوآله : تقولون لا إله إلّا الله ، فوضعوا أصابعهم في آذانهم ، وخرجوا هرّابا وهم يقولون : ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾(٦) . قيل : أرادوا من الملّة ملّة قريش التي أدركوا آبائهم عليها (٧) . وقيل : أرادوا ملّة النصارى(٨).
﴿إِنْ هذا﴾ القول وما هذه الكلمة ﴿إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ وكذب مخترع من قبل نفسه ، وباطل لا يقول به عاقل ، فانّه لو كان حقّا لقال به آباؤنا.
﴿أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد حكاية إنكارهم التوحيد تمسّكا بكونه خلاف ما عليه آباؤهم ، حكى عنهم إنكار نبوة النبي صلىاللهعليهوآله بقوله : ﴿أَ أُنْزِلَ﴾ من الله ﴿عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ والكتاب السماويّ ﴿مِنْ بَيْنِنا﴾ ونحن أحقّ
__________________
(١) تفسير أبي السعود ٧ : ٢١٥ ، تفسير روح البيان ٨ : ٦.
(٢-٤) تفسير روح البيان ٨ : ٦.
(٥) في النسخة : أقدامهم.
(٦) الكافي ٢ : ٤٧٤ / ٥ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٩٢.
(٧) تفسير الرازي ٢٦ : ١٧٨ ، تفسير روح البيان ٨ : ٦.
(٨) تفسير الرازي ٢٦ : ١٧٨ ، تفسير البيضاوي ٢ : ٣٠٧ ، تفسير أبي السعود ٧ : ٢١٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
