﴿إِفْكِهِمْ﴾ وتوغّلهم في الباطل ، وحرصهم على أسوأ الكذب وأقبح الافتراء ﴿لَيَقُولُونَ﴾ ما تشهد العقول على بطلانه وفساده ، وهو قولهم : إنّه ﴿وَلَدَ اللهُ﴾ الملائكة ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في قولهم كذبا لا يشكّ فيه ذو مسكة ، لوضوح أنّ الولادة من خصائص الجسمانيات ، والله خالق جميع الأجسام وغيرها من الموجودات ، مع أنّ طلب الولد من لوازم الحاجة ، والله تعالى هو الغنيّ المطلق له ما في السماوات والأرض.
ثمّ على فرض المحال إمكان الولادة منه تعالى ﴿أَصْطَفَى﴾ وهل اختار لنفسه ﴿الْبَناتِ﴾ التي هي أحسن الأولاد ﴿عَلَى الْبَنِينَ﴾ الذين هم أكمل الأولاد ، مع أنّه تعالى أكمل الموجودات ، ولا يمكن للأكمل أن يختار لنفسه إلّا الأكمل ﴿ما لَكُمْ﴾ أيّها الجهّال ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ على الله القادر على كلّ شيء الغنيّ عن كلّ شيء بهذا الحكم الذي تحكم ببطلانه بديهة العقل ، ويتنفر منه جميع العقلاء ؟ ﴿أَ﴾ تقولون ذلك القول ﴿فَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ولا تفهمون شناعته ، ولا تتنبّهون بنهاية قباحته ؟ ! أتدّعون انوثة الملائكة بهوى أنفسكم ، أو بتقليد آبائكم وكبرائكم ﴿أَمْ لَكُمْ﴾ على هذه الدعوى ﴿سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ وحجّة واضحة ، ودليل قاطع من أخبار نبيّ أو كتاب منزل عليكم من السماء ، فيه بيان صفات الملائكة ؟ ! فان نزل عليكم كتاب ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ الناطق بصحّة دعواكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فيما تدّعون من كون الملائكة إناثا ، وفي نزول الكتاب إليكم.
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحانَ
اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٥٨) و (١٦٠)﴾
ثمّ أنّ جمعا من الزنادقة (١) كانوا قائلين على ما قيل بأنّ الشيطان أخ الله ، فالله تعالى خالق الخير ، والشيطان خالق الشر (٢) . فوبّخهم الله سبحانه على هذا القول بقوله : ﴿وَجَعَلُوا﴾ بهوى أنفسهم ﴿بَيْنَهُ﴾ تعالى ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ والشياطين ﴿نَسَباً﴾ خاصا ، وهو القرابة بالاخوة.
وقيل : إنّ المراد بالجنّة جماعة الجنّ (٣) ، وبالنسب المصاهرة والمزاوجة ، كما مرّ حكايته عن بعض المشركين. قيل : إنّ كفار قريش لمّا قالوا : الملائكة بنات الله. قال أبو بكر : فمن امهاتهم ؟ قالوا : سروات
__________________
(١) وهم المجوس القائلون بيزدان وأهرمن ، كما في تفسير الرازي.
(٢) تفسير الرازي ٢٦ : ١٦٨ ، تفسير أبي السعود ٧ : ٢٠٨.
(٣) في النسخة : بالجنة الأجنة ، وما أثبتناه من تفسير روح البيان ، ذلك لأن الأجنة جمع جنين ، اما الجن فهي اسم جنس يدل على الجمع ، وواحده جني. تفسير روح البيان ٧ : ٤٩٢.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
