لكلّ واحد منهم ، وإنّما أخّر سبحانه قصة يونس ، لأنّ في قصص سائر الأنبياء ترغيب إلى الصبر وتحمّل الأذى ، وفي قصته تهديد على قلّة الصبر ، والترغيب مقدّم على الترهيب ، كذا قيل (١) .
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ
شاهِدُونَ (١٤٩) و (١٥٠)﴾
ثمّ لمّا ذكر سبحانه أدلة التوحيد والمعاد ، ووصف ذاته المقدسة بنعوت الكمال وغاية العظمة والجلال والتفرّد بالخلق والربوبية ، وبّخ قريشا وبني مليح وجهينة وخزاعة وبني سلمة القائلين بأنّ الملائكة بنات الله بقوله : ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ يا محمّد واستطلع رأيهم على سبيل التوبيخ والتجهيل ﴿أَ لِرَبِّكَ﴾ الخالق لجميع الموجودات الغنيّ عن الكائنات ﴿الْبَناتُ﴾ من الأولاد مع استنكافهم منهنّ بحيث يقتلونهنّ إذا ولدن لهم أو يدفنونهن أحياء ﴿وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ الذين هم أرفع الأولاد بحيث يفتخرون بهم ؟ ! لا يمكن ذلك أبدا ، فانّ الخالق لا يختار لنفسه الأحسن ، ولمخلوقاته الأرفع.
قيل : إنّهم قالوا : إنّ الله تعالى تزوّج من الجنّ ، فخرجت منها الملائكة ، فهم بنات الله ، لذا سترن من العيون (٢) .
ثمّ بالغ سبحانه في توبيخهم وتبكيتهم بقوله : ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ﴾ الذين هم أشرف الموجودات وأبعدهم من الصفات الجسمانية والرذائل الطبيعية ﴿إِناثاً﴾ مع أنّ الانوثة من خسائس صفات البشرية ﴿وَهُمْ شاهِدُونَ﴾ أنوثتهم ، فانّ الحكم بانوثة حيوان لا يمكن إلّا بالمشاهده ، لعدم الطريق للعقل إلى درك الامور الجزئية ، وعدم نقل ممّن شاهد الملائكة كالأنبياء والرسل ، مع أنّهم ينكرون رسالة البشر.
﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى
الْبَنِينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَ فَلا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ
* فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥١) و (١٥٧)﴾
ثمّ أنّ الأقبح من إسناد الانوثة إلى الملائكة إسناد الولادة إلى الله الخالق لجميع الموجودات الغنيّ عن الكائنات ، ولذا أعلن في العالم بغاية جهالتهم بقوله : ﴿أَلا﴾ تنبهّوا أيّها العقلاء ﴿إِنَّهُمْ مِنْ﴾ أجل
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٦ : ٢٦٣ ، تفسير روح البيان ٧ : ٤٩١.
(٢) تفسير روح البيان ٧ : ٤٩١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
