روي أنّه بعث بعد موسى يوشع بن نون ، ثمّ كالب بن يوقنا ، ثمّ حزقيل ، فلمّا قبض حزقيل عظمت الأحداث في بني إسرائيل ، ونسوا عهد الله ، وعبدوا الأصنام والأوثان ، وكانت الأنبياء يبعثون بعد موسى بتجديد ما نسوا من التوراة ، وبنو إسرائيل كانوا متفرّقين بأرض الشام ، وكان سبط منهم حلّوا ببعلبك ونواحيها من أرض الشام ، وهم السبط الذين كان منهم إلياس ، فلمّا أشركوا وعبدوا الصنم وتركوا العمل بالتوراة ، بعث الله إليهم إلياس نبيا (١) . فدعاهم إلى التوحيد ، وقال لهم : ويلكم ﴿أَتَدْعُونَ﴾ وتعبدون الجماد الذي سمّيتموه ﴿بَعْلاً﴾ مع أنّه لم يخلق ذبابا ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾ وتتركون عبادته ، مع أنّه خلق السماوات والأرض وغيرهما بقدرته ؟!
قيل : إنّ بعلا كان اسم صنم لأهل بلدة بك من بلاد الشام ، وهو اليوم معروف ببعلبك ، وكان من ذهب طوله عشرون ذراعا وله أربعة أوجه ، وفي عينيه يا قوتتان كبيرتان ، فتنوا به وعظّموه حتى أخدموه أربعمائة سادن ، وجعلوهم أنبياء ، فكان الشيطان يدخل جوفه ، ويتكلّم بشريعة الضلالة ، والسّدنة يحفظونها ، ويعلّمونها الناس (٢) .
نقل كلام الفخر وردّه
قال الفخر الرازي : هذا مشكل ، لقدحه في كثير من معجزات النبي صلىاللهعليهوآله ، كتكلّم الذئب والجمل معه (٣) .
وفيه : أنّ المعجزة دليل الصدق في مورد إمكانه كنبوة نبينا ، لا في مورد امتناع الصدق ، فمن ادّعى النبوة ، ودعا الناس إلى عبادة غير الله ، هو كاذب ولو أتى بألف معجزة.
﴿اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلاَّ عِبادَ اللهِ
الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ * إِنَّا كَذلِكَ
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٦) و (١٣٢)﴾
ثمّ صرّح الناس بالتوحيد ونفي الشرك ، حيث فسّر أحسن الخالقين بقوله : ﴿اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ الذين كانوا قبل صنعكم هذا الصنم ، فاذا لم يكن البعل ربّ آبائكم لا يكون ربّكم ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ مع إتمامه الحجّة عليهم عنادا ولجاجا ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ بتكذيب رسولهم ومعارضتهم للحقّ ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ ويدخلون في النار يوم القيامة ، ولا ينجو من اولئك القوم ﴿إِلَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ والموحّدين الذين أخلصهم الله لنفسه ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾.
__________________
(١) تفسير روح البيان ٧ : ٤٨٢.
(٢) تفسير روح البيان ٧ : ٤٨١.
(٣) تفسير الرازي ٢٦ : ١٦١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
