يريه كمال حلم ولده ، فأمره في المنام بذبحه.
قصة رؤيا إبراهيم ، وإقدامه بذبح ولده
روي أنّ إبراهيم رأى ليلة التروية في منامه كأنّ قائلا يقول له : إنّ الله يأمرك بذبح ابنك هذا ، فلمّا أصبح تروّى في ذلك من الصباح إلى الرّواح ، أمن الله هذا الحكم أم من الشيطان ، فمن ثمّ سمّي يوم التروية ، فلمّا أمسى رأى مثل ذلك ، فعرف أنّه من الله ، فسمّي يوم عرفة ، ثمّ رأى مثله في الليلة الثالثة ، فهمّ بنحره فسمّي يوم النحر (١) .
وفي ( الكافي ) عنهما عليهماالسلام : « لمّا كان يوم التروية قال جبرئيل لابراهيم : تروّ من الماء ، فسمّي تروية ، ثمّ أتى منى فأباته بها ، ثمّ غدا إلى عرفات ، فضرب خباءه بنمرة دون عرفة ، وبنى مسجدا بأحجار بيض - إلى أن قال - : عمد به الى عرفات فقال : هذه عرفات ، فاعرف بها مناسكك ، وأعترف بذنبك ، فسمّي عرفات. ثمّ أفاض إلى المزدلفة ، فسمّيت المزدلفة لأنّه ازدلف إليها » (٢) .
وعلى أي تقدير ، فجاء إبراهيم باسماعيل إلى منى ، وهو ابن ثلاث عشر سنة على ما قيل (٣) و﴿قالَ﴾ له تلطّفا وإشفاقا ﴿يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ﴾ ما يوجب عليّ ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ قربانا لله. وقيل : إنّه رأى أنّه يذبحه (٤)﴿فَانْظُرْ﴾ وتفكّر فيما قلت ﴿ما ذا تَرى﴾ وأيّ شيء هو رأيك ومختارك ؟ وإنّما استكشف رأيه ليعلم أنّه صابر في البلاء ومنقاد لأمر الله أو جزوع آب من التسليم ، وليكون سنة في المشاورة ، أو ما ترى من نفسك من الصبر والتسليم ؟ فلمّا سمع إسماعيل ذلك من أبيه ﴿قالَ﴾ بلا ريث وتأمّل ﴿يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ به من ذبحي ، وإنّما قال ما تؤمر ولم يقل ما امرت ، للدلالة على أنّ انقياده لا يختصّ بخصوص الذبح الذي امر به ، بل يعمّ لكلّ ما يؤمر به في حقّه ﴿سَتَجِدُنِي﴾ يا أبه ﴿إِنْ شاءَ اللهُ﴾ أن أكون صابرا ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ على الذبح ، أو قضاء الله ، ومن المنقادين لأمر الله.
﴿فَلَمَّا أَسْلَما﴾ وانقادا لأمر الله ، عن قتادة : أسلم إبراهيم ابنه ، وإسماعيل نفسه (٥)﴿وَتَلَّهُ﴾ وصرعه إبراهيم ﴿لِلْجَبِينِ﴾ وألقاه على شقّه بحيث وقع جبينه على الأرض لمباشرة الأمر بصبر وجلد ﴿وَنادَيْناهُ﴾ من جانب الجبل ، أو من ميسرة مسجد الخيف ﴿أَنْ يا إِبْراهِيمُ﴾ كفّ عن ذبح ولدك ، فانّك ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وعملت بما رأيت في المنام من العزم على الذبح ، وإتيان مقدّماته التي كانت تحت يدك وقدرتك. قيل : إنّه تعالى أمرّ السّكّين بقوّته على منحره فلم يقطع ، ثمّ وضع السّكّين على قفاه فانقلب السكّين (٦) .
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٦ : ١٥٣ ، تفسير البيضاوي ٢ : ٢٩٨ ، تفسير أبي السعود ٧ : ٢٠٠ ، تفسير روح البيان ٧ : ٤٧٣.
(٢) الكافي ٤ : ٢٠٧ / ٩ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٧٧.
(٣) مجمع البيان ٨ : ٧٠٦ ، تفسير الرازي ٢٦ : ١٥٢.
(٤) تفسير الرازي ٢٦ : ١٥٣.
(٥) تفسير الرازي ٢٦ : ١٥٧ ، تفسير روح البيان ٧ : ٤٧٤.
(٦) تفسير روح البيان ٧ : ٤٧٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
