وقيل : أمر بالذّهاب إلى أرض فلسطين وهي بين الشام ومصر (١) . أو المراد إلى موضع يكون فيه صلاح ديني (٢) ، أو إلى بيت المقدس ، كما عن الصادق (٣) . وعن أمير المؤمنين عليهماالسلام في رواية : « فذهابه إلى ربّه توجّهه إليه عبادة واجتهادا وقربة إلى الله » (٤) . إنّه بلطفه ﴿سَيَهْدِينِ﴾ إلى الموضع الذي أمرني بالذّهاب إليه ، ويرشدني إليه البتة على لطفه أو وعده.
روي أنّ إبراهيم لمّا جعل الله عليه النار بردا وسلاما ، وأهلك عدوّة نمرود ، وتزوّج بسارة ، وكانت أحسن النساء وجها ، وكانت تشبه حوّاء في حسنها ، عزم الانتقال من أرض بابل إلى الشام (٥) .
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ
يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما
تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ *
وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ
هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ *
سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ * كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا
الْمُؤْمِنِينَ (١٠٠) و (١١١)﴾
ثمّ أن سارة اشترت هاجر ، فوهبتها لإبراهيم (٦) ، فلمّا ملكها دعا ربّه بقوله : ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ ولدا يكون ﴿مِنَ﴾ عبادك ﴿الصَّالِحِينَ﴾ والكاملين في العلم والعمل والأخلاق ، ليكون عونا لي على الطاعة والدعوة ، ويؤنسني في الغربة ﴿فَبَشَّرْناهُ﴾ إجابة لدعائه ﴿بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ وولد صالح متحمّل للمشاقّ ، صبور عند إصابة المكاره ، لا يغلب عليه الغضب ، ولا يعجل في الامور.
قيل : إنّه تعالى جمع فيه بشارات ثلاث : الاولى : إنّه غلام ، والثانية : إنّه يبلغ أوان الحلم ، والثالثة : إنّه حليم ، ومن حلمه أنّه استسلم للذبح (٧) . قيل : ما نعت الله نبيا بالحلم لعزّة وجوده غير إبراهيم وابنه (٨) .
فلما وهب له إسماعيل ، ونشأ إلى أن بلغ رتبة [ أن ] يعاون إبراهيم في حوائجه ومشاغله ﴿فَلَمَّا بَلَغَ﴾ إبراهيم ﴿مَعَهُ السَّعْيَ﴾ في مشاغله ومصالحه ، أو السعي الذي هو أحد أعمال الحجّ ، أراد الله أن
__________________
(١و٢) تفسير روح البيان ٧ : ٤٧٢.
(٣) الكافي ٨ : ٣٧١ / ٥٦٠ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٧٤.
(٤) التوحيد : ٢٦٦ / ٥ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٧٤.
(٥) تفسير روح البيان ٧ : ٤٧٣.
(٦) في النسخة : فوهبها من إبراهيم.
(٧) تفسير الرازي ٢٦ : ١٥١ ، تفسير أبي السعود ٧ : ١٩٩ ، تفسير روح البيان ٧ : ٤٧٣.
(٨) تفسير البيضاوي ٢ : ٢٩٨ ، تفسير أبي السعود ٧ : ١٩٩ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٧٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
