قيل : إنّ جواب ( لمّا ) محذوف ، والتقدير لمّا فعل ذلك وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا ، سعد سعادة عظيمة ، وآتاه الله نبوّة ولده ، وأجزل له الثواب (١) .
وقيل : إنّ التقدير كان ما كان ممّا لا يحيط (٢) به نطاق البيان من استبشارهما وشكرهما الله على ما أنعم عليهما من رفع البلاء بعد حلوله ، والتوفيق لما لم يوفقّ أحد لمثله ، وإظهار فضلهما بذلك على العالمين مع إحراز الثواب العظيم (٣)﴿إِنَّا﴾ كما جزينا إبراهيم وابنه بإحسانهما وطاعتهما ﴿كَذلِكَ نَجْزِي﴾ جميع ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ بالاحسان والطاعة ، أو إنّا كما فرّجنا عنهما الكربة بإحسانهما ، كذلك نجزي غيرهما من المحسنين ﴿إِنَّ هذا﴾ البلاء الذي ابتلينا به إبراهيم وابنه والله ﴿لَهُوَ الْبَلاءُ﴾ والابتلاء ﴿الْمُبِينُ﴾ والمظهر للمخلص من غيره ، أو إنّ ما فعلنا لهو المحنة البيّنة الصعوبة ، إذ لا شيء أصعب منها ، ونجّينا إسماعيل من الذبح ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ الجثّة أو عظيم القدر.
قيل : إنّ عظمة قدر هذا الفداء ، لكونه فداء إسماعيل النبي وخاتم الأنبياء الذي كان في صلبه(٤).
عن ابن عباس : أنّه الكبش الذي قرّبه هابيل فتقبّل منه ، وكان يرعى في الجنّة حتى فدى به إسماعيل (٥) .
عن الصادق عليهالسلام في رواية : « فلمّا كان في الليل أتى إبراهيم آت من ربّه ، فأراه في الرؤيا ذبح ابنه إسماعيل بموسم مكّة ، فأصبح إبراهيم حزينا للرؤيا التي رآها ، فلمّا حضر موسم ذلك العام حمل إبراهيم هاجر وإسماعيل في ذي الحجّة من أرض الشام ، فانطلق بهما إلى مكّة ليذبحه في الموسم ، فبدأ بقواعد البيت الحرام ، فلمّا رفع قواعده خرج إلى منى حاجّا ، وقضى نسكه بمنى ، ثمّ رجع إلى مكّة ، فطاف بالبيت اسبوعا ، ثمّ انطلقا فلمّا صارا في السعي (٦) ، قال إبراهيم لاسماعيل : يا بني إنّي أرى في المنام أنّي أذبحك في الموسم عامي هذا ، فما ترى ؟ قال : يا أبت افعل ما تؤمر. فلمّا فرغا من سعيهما انطلق به إبراهيم إلى منى ، وذلك يوم النحر ، فلمّا انتهى إلى الجمرة الوسطى ، أضجعه لجبينه الأيسر وأخذ الشّفرة ليذبحه ، نودي : ﴿أَنْ يا إِبْراهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ إلى آخره ، وفدي إسماعيل بكبش عظيم ، فذبحه وتصدّق بلحمه على المساكين » (٧) .
وفي رواية عنهما عليهماالسلام : « ثمّ قام على المشعر الحرام ، فأمره الله أن يذبح ابنه ، وقد رأى شمائله وخلائقه ، وآنس ما كان إليه ، فلمّا أصبح أفاض من المشعر إلى منى ، فقال لامّه : زوري البيت أنت.
__________________
(١) تفسير الرازي : ٢٦ : ١٥٧ وفي النسخة : واجزاله الثواب.
(٢) في النسخة : يطاق.
(٣) تفسير وروح البيان ٧ : ٤٧٦.
(٤) تفسير وروح البيان ٧ : ٤٧٦.
(٥) تفسير أبي السعود ٧ : ٢٠١ ، تفسير روح البيان ٧ : ٤٧٧.
(٦) في مجمع البيان : المسعى.
(٧) مجمع البيان ٨ : ٧١٠ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٧٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
