لشدّة الجوع ﴿فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾.
ثمّ لمّا كان لازم الشّبع وملأ (١) البطن العطش وشدّته ، بيّن سبحانه مشروبهم ، كما بيّن مشروب أهل الجنّة بعد ذكر طعامهم بقوله : ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ﴾ بعد الأكل من الشجرة واشتداد العطش وطول الاستسقاء ﴿عَلَيْها لَشَوْباً﴾ وخليطا ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ وماء متناه في الحرارة.
قيل : يعني شربا من دم أو قيح أسود أو صديد ممزوجا ومشوبا بماء حار غاية الحرارة يقطع أمعاءهم (٢) .
قيل : إنّ كلمة ( ثمّ ) دالة على التراخي الزماني ، فيفهم منها أنّ أهل النار يملأون بطونهم من شجرة الزّقّوم وهي حارة تحرق بطونهم ، فيعظم عطشهم ، فيستسقون فلا يسقون إلّا بعد مدة طويلة ليكمل تعذيبهم. وقيل : إن كلمة ( ثمّ ) دالة على التراخي في الرّتبة ، فتدلّ على أنّ مشروبهم في الشناعة أشدّ من مأكولهم (٣) .
﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ بعد أكل الزّقّوم وشرب الحميم ، كما عن مقاتل (٤)﴿لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ قيل : إنّ موضع الحميم خارج من الجحيم ، فهم يوردون الحميم لأجل الشّرب كما تورد الإبل إلى الماء ، ثمّ يردّون إلى الجحيم ، كما دلّ عليه قوله : ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾(٥) وقيل : إنّ الزّقّوم والحميم نزل يقدّم إليهم قبل دخول الجحيم (٦).
﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ * فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ * وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ
الْأَوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ *
إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٦٩) و (٧٤)﴾
ثمّ بيّن سبحانه علّة استحقاقهم هذا العذاب الشديد بقوله : ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا﴾ ووجدوا ﴿آباءَهُمْ﴾ وكبراءهم ﴿ضالِّينَ﴾ ومنحرفين عن طريق الحقّ والهدى بعبادتهم الأصنام ﴿فَهُمْ﴾ بلا تدبّر في صحّة مذهب آبائهم ، وتحصيل دليل على حقانية دينهم مع وضوح بطلانه بأدنى تفكّر ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ وعقبهم ، أو إلى تقليدهم ﴿يُهْرَعُونَ﴾ ويسرعون بكمال الشدّة ، ويتبعونهم مع غاية العصبية.
ثمّ لمّا كان إصرار الناس على الكفر والضلال سببا لتألم قلب النبيّ صلىاللهعليهوآله وحزنه ، سلّاه سبحانه
__________________
(١) في النسخة : وملأنه.
(٢) تفسير روح البيان ٧ : ٤٦٥.
(٣) تفسير روح البيان ٧ : ٤٦٥.
(٤) تفسير الرازي ٢٦ : ١٤٣.
(٥) تفسير الرازي ٢٦ : ١٤٣ ، والآية من سورة الرحمن : ٥٥ / ٤٤.
(٦) تفسير روح البيان ٧ : ٤٦٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
