بقوله : ﴿وَلَقَدْ ضَلَ﴾ والله ﴿قَبْلَهُمْ﴾ بإضلال إبليس ﴿أَكْثَرُ﴾ القرون ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ والامم الماضين ﴿وَ﴾ والله ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ﴾ من قبلنا أنبياء ﴿مُنْذِرِينَ﴾ ومخوّفين لهم من العذاب على الشّرك والعصيان مع المعجزات الباهرة والبراهين القاطعة ، فبيّنوا لهم بطلان عقائدهم ، وسوء عاقبة كفرهم ، فما اعتنوا بإنذارهم ﴿فَانْظُرْ﴾ أيّها النبيّ ، أو الناظر ﴿كَيْفَ﴾ كان ﴿عاقِبَةُ﴾ أمر الامم ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ ومآل كفرهم وطغيانهم ، فقد علمت أنّ عاقبتهم كانت أوخم العواقب وأسوأها ﴿إِلَّا﴾ عاقبة الذين كانوا ﴿عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ فانّ عاقبتهم خير العواقب وأحسنها.
﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ *
وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ * وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي
الْعالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠)﴾
ثمّ لمّا ذكر سبحانه إرساله الرسل إلى الامم الضالة ، ذكر بعض الأنبياء العظام ولطفه بهم بقوله : ﴿وَلَقَدْ نادانا﴾ ودعانا ﴿نُوحٌ﴾ لتخليصه من إيذاء قومه وقتلهم إياه ، والأمن [ من ] الغرق بالطّوفان ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ نحن لدعائه.
ثمّ بيّن سبحانه حسن إجابته له لقوله : ﴿وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ﴾ وأقاربه ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ والغمّ الشديد ، وهو أذى قومه ، أو الغرق بالطّوفان ﴿وَجَعَلْنا﴾ بعد هلاك الخلق بالطّوفان ﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ ونسله فقط ﴿هُمُ الْباقِينَ﴾ على وجه الأرض.
روي أنّه مات كلّ من معه في السفينة غير أبنائه وأزواجهم ، وهم الذين بقوا متناسلين إلى يوم القيامة (١) .
﴿وَتَرَكْنا﴾ على نوح ، وأبقينا ﴿عَلَيْهِ فِي﴾ الامم ﴿الْآخِرِينَ﴾ الثناء وحسن الذكر ﴿سَلامٌ﴾ من الله ، أو من الملائكة والثّقلين ﴿عَلى نُوحٍ﴾ وذلك السّلام والتحية باق عليه ﴿فِي الْعالَمِينَ﴾ وامّة بعد أمّة.
قيل : إنّ المراد الدعاء بثبوت هذه فيهم جميعا ، كأنّه أثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين ، فيسلّمون عليه بكليّتهم (٢) .
قال القرطبي : جاءت الحية والعقرب لدخول السفينة ، فقال نوح : لا أحملكما لأنّكما سبب الضرر والبلاء. فقالا : احملنا ونحن نضمن لك أن لا نضرّ أحدا ذكرك ، فمن قرأ حين يخاف مضرّتهما
__________________
(١) تفسير روح البيان ٧ : ٤٦٧.
(٢) تفسير الرازي ٢٦ : ١٤٥ ، تفسير روح البيان ٧ : ٤٦٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
