الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٥٨) و (٦١)﴾
ثمّ أقبل القائل إلى جلسائه وقرنائه في الجنّة بعد الإعراض عن قرينة الذي رآه في النار ، وحاورهم في الخلود في الجنّة سرورا بفضل الله ، والتذاذا بتحديث [ جلسائه عن ] نعمه ، فقال لهم : ﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ قيل : إنّ التقدير أنحن مخلّدون ، فما نحن بميتين ؟ (١) ﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى﴾ كانت في الدنيا ، وقبل بعثنا من القبور. وقيل : إنّ الاستثناء منقطع ، والمعنى لكن موتتنا الاولى قد كانت في الدنيا (٢) . وقيل : إنّ ( إلّا ) هنا بمعنى بعد وسوى (٣)﴿وَما نَحْنُ﴾ كالكفّار ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾ أبدا.
عن الباقر عليهالسلام : « إذا دخل أهل الجنّة في الجنّة وأهل النار في النار ، جيء بالموت فيذبح كالكبش بين الجنّة والنّار ، ثمّ يقال : خلود فلا موت أبدا. فيقول أهل الجنّة : ﴿أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ* إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾(٤) ».
﴿إِنَّ هذا﴾ الخلود في الجنّة ، ودوام النعمة ، والأمن من العذاب ، والله ﴿لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ والظّفر بأقصى المطالب ، وهو السعادة الأبدية التي لا سعادة فوقها و﴿لِمِثْلِ هذا﴾ المقصد الأعلى ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ وليجتهد المجتهدون ، لا للمقاصد الدنيوية السريعة الزوال والانقطاع.
قيل : إنّه من كلام الله ترغيبا للناس في طلب ثواب الآخرة (٥) .
﴿أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان نعم أهل الجنّة ومأكلهم ومشربهم ، ذكر سبحانه مأكول أهل النار ومشروبهم ، بقوله : ( قل ) يا محمد ، لقومك المشركين بعد تلاوة الآيات النازلة عليك في وصف نعم أهل الجنّة : أنصفوا يا قوم ﴿أَ ذلِكَ﴾ الرزق المعلوم الذي هو فاكهة الجنّة ﴿خَيْرٌ﴾ وأحسن من كونه ﴿نُزُلاً﴾ وتهيئة لورودكم يوم القيامة ، أو خيرا حاصلا مع كون حاصلة اللّذة والسّرور ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ التي حاصلها الألم والغمّ.
قيل : إنّ المفسرين لم يذكروا لشجرة الزّقّوم تفسيرا (٦) .
وقيل : إنّ الزّقّوم اسم شجرة صغيرة الورق مرّة كريهة الرائحة ، تكون بتهامة ، يعرفها المشركون (٧).
__________________
(١) تفسير أبي السعود ٧ : ١٩٣ ، تفسير روح البيان ٧ : ٤٦٢.
(٢) تفسير روح البيان ٧ : ٤٦٣.
(٣) تفسير روح البيان ٧ : ٤٦٣.
(٤) تفسير القمي ٢ : ٢٢٣ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٧٠.
(٥) تفسير روح البيان ٧ : ٤٦٣.
(٦) تفسير الرازي ٢٦ : ١٤١.
(٧) تفسير روح البيان ٧ : ٤٦٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
