ثمّ لمّا كان الرزق المقرون بالإهانة غير معتن به عند النفوس الأبية والهمم العالية ، بيّن سبحانه إكرامهم بقوله : ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ عند الله تبارك وتعالى غاية الإكرام معظّمون نهاية التعظيم.
عن الباقر عليهالسلام ، عن النبي صلىاللهعليهوآله - في حديث - « أمّا قوله : ﴿أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ بأن يعلمه الخدّام فيأتون به أولياء الله قبل أن يسألوهم إيّاه ، وأمّا قوله : ﴿فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ قال : إنّهم لا يشتهون شيئا في الجنّة إلّا اكرموا به» (١) .
﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ * يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ *
بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ * وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ
الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٣) و (٤٩)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد ذكر مأكولهم وصف كمال مجلسهم ومشروبهم بقوله : ﴿فِي جَنَّاتِ﴾ وبساتين ذوات ﴿النَّعِيمِ﴾ وهم متمكّنون فيها ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ حال كونهم ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ ومواجهين ، ليفرحوا بحسن حال الأحبّة ورؤيتهم ويتآنسوا (٢) . روي أنّهم إذا أرادوا القرب سار السرير تحتهم (٣) ، ثمّ وصف سبحانه كمال مجلسهم ومشروبهم بقوله : ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ ويدور الغلمان حولهم ﴿بِكَأْسٍ﴾ وإناء من زجاجة فيه خمر ﴿مِنْ﴾ نهر ﴿مَعِينٍ﴾ وجار على وجه أرض الجنّة ، أو من شراب معين وظاهر للعيون ، أو جار من العيون ، وتلك الخمرة على خلاف خمور الدنيا ﴿بَيْضاءَ﴾.
قيل : إنّ خمرا منه أشدّ بياضا من اللّبن (٤).
ثمّ بالغ سبحانه في بيان لذتها بقوله : ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ حيث إنّه تعالى جعلها عين اللّذة بخلاف خمور الدنيا ، فانّها - على ما قيل - لا لذّه لها (٥) ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ وصداع ، أو فساد من صداع أو وجع بطن ﴿وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ويسكرون. القمي ، قال : لا يطردون عنها (٦).
ثمّ وصف سبحانه منكوحهم بقوله : ﴿وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ وحابسات الأبصار عن غير أزواجهن ، بل يكون نظرهنّ إلى أزواجهن ، لحسنهم في نظرهن وعفّتهن ، وهن ﴿عِينٌ﴾ قيل : يعني حسان الأعين وعظامها (٧) ﴿كَأَنَّهُنَ﴾ في البياض والنظافة ﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ومستور مصون من الغبار. قيل : شبّههن سبحانه في البياض ببيض النّعام ، لأنّ لونها بياض مخلوط بالصّفرة ، وهو أحسن ألوان
__________________
(١) الكافي ٨ : ١٠٠ / ٦٩ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٦٨.
(٢) في النسخة : ويتوانسوا.
(٣و٤) تفسير الرازي ٢٦ : ١٣٧.
(٥) تفسير روح البيان ٧ : ٤٥٩.
(٦) تفسير القمي ٢ : ٢٢٢ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٦٨.
(٧) تفسير روح البيان ٧ : ٤٦١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
