آباءنا.
ثمّ ردّهم سبحانه بقوله : ﴿بَلْ جاءَ﴾ من جانب الله ﴿بِالْحَقِ﴾ وما هو ثابت بالبراهين القاطعة ، ومحقّق عند العقل السليم من التوحيد الذي أخبر به جميع الأنبياء ﴿وَصَدَّقَ﴾ محمد صلىاللهعليهوآله بما أخبر به جميع ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ فيما أخبروا به من التوحيد ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيّها المشركون والله ﴿لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ﴾ للاشتراك والاستكبار وتكذيب الرسول الأمين ، وفي الالتفات من الغيبة إلى الخطاب إظهار لشدّة الغضب عليهم.
ثمّ نبّه سبحانه على أن ليس في تعذيبهم (١) شائبة الظلم والعمل بخلاف الكرم ، بل هو ما يستحقّونه بقوله : ﴿وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا﴾ مقدار جزاء ﴿ما كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والعصيان لا تزادون (٢) ولا تنقصون.
﴿إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَواكِهُ وَهُمْ
مُكْرَمُونَ (٤٢)﴾
ثمّ بيّن حسن حال المؤمنين بقوله : ﴿إِلَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ له في العبادة.
قيل : إنّ الاستثناء منقطع ، والمعنى لكن عباد الله المخلصين (٣) لا يذوقونه ، والمخلصون بالفتح : الذين أخصلهم الله لعبادته ، وبرّأهم من عبادة غيره.
ثمّ بيّن سبحانه بعد خلاصهم من العذاب نيلهم بغاية الفضل بقوله : ﴿أُولئِكَ﴾ الأجلاء الرفيعو المقام ، الممتازون عن غيرهم بطيب الطينة وحسن الفطرة والخلوص في العبادة ﴿لَهُمْ﴾ بمقابل حسن عقيدتهم وأعمالهم ﴿رِزْقٌ﴾ لا يمكن وصف كماله وحسنه ﴿مَعْلُومٌ﴾ عندهم في الآخرة وجودا وقدرا وحسنا ولذة وطيبا ، وذلك الرزق ﴿فَواكِهُ﴾ كثيرة ونعم لذيذة من الثّمار وغيرها تؤكل للّذّة لا للحاجة.
وقيل : إنّ المراد بالفواكه خصوص الثّمار ؛ لأنّ رزق أهل الجنّة كلّه من الثّمار (٤) ، أو لأنّ ذكرها مغن عن ذكر غيرها ، لأنّها من أتباع سائر الأطعمة (٥) ، فاذا كانت الفاكهة التي هي أدنى من غيرها حاضرة على الدوام ، كان غيرها أولى بالحضور.
وقيل : لمّا كانت الفاكهة في بلاد العرب عزيزة الوجود ، خصّها بالذّكر لازدياد التشويق (٦) .
__________________
(١) في النسخة : أن في تعذيبهم ليس.
(٢) في النسخة : لا تزدادون.
(٣) تفسير الرازي ٢٦ : ١٣٦.
(٤-٦) تفسير روح البيان ٧ : ٤٥٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
