عجب من ذلك النبي صلىاللهعليهوآله فقال الله تعالى : ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾(١)﴿* وَإِذا ذُكِّرُوا﴾ ووعظوا وهدّدوا على إنكارهم البعث أو القرآن ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾ ولا يتّعظون ، أو إذا نبّهوا على أدلّة البعث أو جهات إعجاز القرآن لا يتنبّهون لكثرة عنادهم وقلّة فهمهم وفكرهم ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً﴾ ومعجزة دالة على صدق رسالتك وإخبارك بوقوع الحشر والنشر ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ويبالغون في الاستهزاء بك ، أو يحملون غيرهم على الاستهزاء ، فلا بالبراهين يلتزمون ، ولا بالموعظة يتّعظون ، ولا بالمعجزة يؤمنون ﴿وَقالُوا﴾ للمعجز الذي تأتيهم به : ﴿إِنْ هذا﴾ الفعل الخارق للعادة ، وما هو ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وشعبذة ظاهرة بحيث لا يشكّ فيه أحد ، كيف يمكن أن يكون ما أتى به معجزة دالة على صدقه في دعوى البعث مع أنّها كذب ظاهر ﴿أَ﴾ نبعث ﴿إِذا مِتْنا﴾ ودفّنا ﴿وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً﴾ بالية.
ثمّ بالغوا في الإنكار بإعادة أداة الاستفهام ، كأنّهم قالوا : أنصفوا أيّها العقلاء ﴿أَ إِنَّا﴾ مع ذلك لمحيون بعد الموت ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ ومخرجون من القبور ، فرضنا أنّا نبعث لقرب عهدنا بالحياة واجتماع ترابنا في قبورنا ﴿أَ وَ﴾ يبعث ﴿آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ وأجدادنا الأقدمون مع تفرّق ترابهم في أطراف العالم ، ومحو أثر قبورهم ، هيهات هيهات !
﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ * فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ * وَقالُوا
يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ * هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * احْشُرُوا
الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى
صِراطِ الْجَحِيمِ (١٨) و (٢٣)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد إقامة الأدلة السابقة على إمكان البعث والإعادة بعد الموت ، وعدم المجال لإقامة البرهان ، أمر نبيّه صلّى الله عليه وآله بمعارضة إنكارهم بالاثبات بقوله تبارك وتعالى : ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المشركين المعاندين : ﴿نَعَمْ﴾ على رغم أنوفكم يبعثون جميعا ﴿وَأَنْتُمْ﴾ أيضا تبعثون ﴿داخِرُونَ﴾ وصاغرون في المحشر وأذلّاء بين الناس ، حيث منعكم التكبّر والخيلاء عن تبعيّة الرسول صلىاللهعليهوآله وقبول قوله وتصديقه في ادّعاء إمكان البعث ، مع أنّه مضافا إلى إمكانه ليس على الله بصعب ، بل في غاية السّهولة ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ﴾ وصيحة ﴿واحِدَةٌ﴾ من إسرافيل ، ونفخة من الصّور من غير حاجة إلى الثانية ﴿فَإِذا هُمْ﴾ يحيون ويقومون من قبورهم ﴿يَنْظُرُونَ﴾ إلى أنفسهم وجوانبهم كالحيارى ، أو ينظر بعضهم إلى بعض نظر الحيرة ، وينظرون كما كانوا يبصرون وينظرون في زمان حياتهم في الدنيا ، أو
__________________
(١) تفسير روح البيان ٧ : ٤٥١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
