ومن التواريخ وبيان الحكماء الذين كانوا قبل الاسلام ، يظهر أنّ الشّهب كانت قبل الاسلام ، وظاهر الآيات أنّها لرجم الشياطين ، وظاهر قوله تعالى : ﴿أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾(١) أن الشهب حدثت بعد بعثة النبي صلىاللهعليهوآله ، فلا بدّ من الحمل على كثرة الشّهب وشدّة المنع.
ثمّ أنّ مبدأ خلقة الجنّ من النار لا ينافي احتراقهم بها ، لأنّ لازم كونهم جسما احتراقهم بها ، لأنّ النار تحرق الجسم وإن كان لطيفا.
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ * بَلْ
عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ * وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ *
وَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ * أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَ وَ
آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١١) و (١٧)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد إثبات توحيده بخلق السماوات والأرض وما بينهما ، وخلق مشارق الكواكب ، وتزيين السماء بها ، شرع في إثبات الحشر والمعاد بقوله تبارك وتعالى : ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أيّها الرسول وأسألهم بمحاجة توبيخا (٢) أو تقريرا ﴿أَ هُمْ﴾ مع صغر جثّتهم وضعف بنيتهم ﴿أَشَدُّ خَلْقاً﴾ وأمتن بنية ، أو أصعب خلقا على خالقهم ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنا﴾ من الملائكة والسماوات والأرض والكواكب والمشارق والجنّ والشياطين ؟ وإنّما ذكر كلمة ( من ) لتغليب العقلاء. ثمّ نقول : لو فرضوا أنّهم كانوا أشدّ خلقا من السماوات والأرض وغيرهما من الموجودات ألا يقرّون ولا يقولون : ﴿إِنَّا خَلَقْناهُمْ﴾ بقدرتنا أول مرّة ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ لاصق باليد ، فاذا علموا أنّ الطين المركّب من التّراب والماء قابل لأن يصيّره القادر الحكيم إنسانا ذا شعور ونطق وعقل ، كان عليهم أن يعتقدوا إمكان خلقهم مرّة اخرى ، لبقاء تلك القابلية في ترابهم ، وعدم إمكان زوال القدرة عن الخالق القادر الذي خلقهم أول مرّة ، لكون قدرته ذاتية غير قابلة للزوال ﴿بَلْ﴾ لا تستفتهم لكونهم معاندين حيث إنّك ﴿عَجِبْتَ﴾ من إنكارهم إمكان البعث ووقوعه مع غاية وضوح دليله ﴿وَ﴾ هم ﴿يَسْخَرُونَ﴾ منك ويستهزئون بك حيث تدعوهم إلى الإقرار والإيمان به مع كونهم مستبعدين إياه.
وعن قتادة : أنّه عجب نبيّ الله صلىاللهعليهوآله من هذا القرآن حين انزل وضلال بني آدم ، وذلك أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله كان يظنّ أنّ كلّ من يسمع القرآن يؤمن به ، فلمّا سمع المشركون القرآن سخروا منه ولم يؤمنوا ،
__________________
(١) الجن : ٧٢ / ٨.
(٢) في النسخة : بحاجة قريحا.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
