السامعة بقوله : ﴿إِنَّما تُنْذِرُ﴾ الإنذار النافع في الهداية والارشاد ﴿مَنِ﴾ لان قلبه و﴿اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ والعظة ، أو آمن بالقرآن وسلّم للبرهان ﴿وَخَشِيَ﴾ بإنذارك ﴿الرَّحْمنَ﴾ والإله الذي وسعت رحمته كلّ شيء وهو ﴿بِالْغَيْبِ﴾ والحجاب عنهم ، فيؤمن به ويعمل لمرضاته ، أو خشي عقوبة الرحمن في الآخرة وأهوال القيامة التي تكون محجوبة عن أبصارهم ﴿فَبَشِّرْهُ﴾ يا محمّد ، بعد الإنذار وتأثّره بالعظة واتّباعه لها وقيامه بالأعمال الصالحة ﴿بِمَغْفِرَةٍ﴾ عظيمة لذنوبه ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ وثواب جسيم مرضيّ له على إيمانه وأعماله.
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ
مُبِينٍ (١٢)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد أمر النبيّ صلىاللهعليهوآله ببشارة المؤمنين بالثواب أخبر بمجيء الآخرة التي هي دار المغفرة والثواب بقوله : ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ بقدرتنا الكاملة ﴿نُحْيِ الْمَوْتى﴾ ونبعثهم بعد انقضاء الدنيا من القبور لجزاء الأعمال ﴿وَنَكْتُبُ﴾ في الصّحف ، ونثبت في الدفاتر بتوسّط الكرام الكاتبين ، أو نكتب في اللّوح المحفوظ ﴿ما قَدَّمُوا﴾ وأسلفوا وأتوا به في زمان حياتهم من الأعمال خيرا أو شرا حسنة أو سيئة ، ﴿وَ﴾ نكتب فيها ﴿آثارَهُمْ﴾ وما أبقوه بعد موتهم من سنّة حسنة أو سيئة ، أو ما يوجب انتفاع الناس به من علم أو كتاب ، أو وقف أو حبس ، وإشاعة باطل ، أو بدعة ، أو تأسيس ظلم ، أو صنعة فيها فساد كاختراع آلة لهو ، أو بناء كنيسة أو غيرها.
وقيل : إنّ المراد آثار أقدام الماشين إلى المساجد (١) ، روى بعض العامة : أنّ جماعة من الصحابة بعدت دورهم عن مسجد النبي صلىاللهعليهوآله ، فأرادوا النفير (٢) إلى جوار المسجد ، فقال النبي صلىاللهعليهوآله : إنّ الله يكتب خطواتكم ويثيبكم عليها ، فالزموا بيوتكم »(٣) .
وعن ( المجمع ) : أنّ بني سلمة كانوا في ناحية من المدينة ، فشكوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله بعد منازلهم من المسجد والصلاة معه ، فنزلت الآية »(٤) .
ثمّ بيّن سبحانه سعة علمه بكلّ شيء فضلا عن أعمال العباد بقوله : ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ من الأشياء ، وكلّ موجود من الموجودات من الجواهر والأعرض والأعمال والأفعال والأقوال ، أو أجل أو رزق أو نصيب ، أو إحياء وإماته ﴿أَحْصَيْناهُ﴾ وأثبتناه ﴿فِي إِمامٍ﴾ وأصل عظيم الشأن ﴿مُبِينٍ﴾ ومظهر
__________________
(١) تفسير روح البيان ٧ : ٣٧٥.
(٢) في تفسير روح البيان : النقلة.
(٣) تفسير روح البيان ٧ : ٣٧٥.
(٤) مجمع البيان ٨ : ٦٥٣ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٤٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
