فأعماهم عن الهدى » (١) .
روي أنّها نزلت في أبي جهل وصاحبيه المخزوميين حيث حلف أبو جهل أنّه يرضخ رأس محمد صلىاللهعليهوآله إن رآه في الصلاة ، فرآه يوما (٢) يصلي ، فأخذ صخرة فرفعها ليرسلها على رأسه ، فالتزقت بيده ، ويده بعنقه ، فرجع خائبا إلى قومه (٣) ، فنزلت : ﴿إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً﴾ إلى آخره ، فقام الوليد بن المغيرة الخزومي ، وقال : أنا أقتله بهذه الصخرة ، فأخذ الصخرة ، فجاء نحو النبي صلىاللهعليهوآله ، فلمّا قرب منه عمي بصره ، فكان يسمع صوته ولا يرى شخصه ، فرجع إلى صاحبيه فلم يرهم حتى نادوه فأخبرهم بالحال ، فنزل في حقّه : ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ إلى آخره.
وعن القمي : أنّها نزلت في أبي جهل بن هشام ونفر من أهل بيته ، وذلك أنّ النبي صلىاللهعليهوآله قام يصلّي وقد حلف أبو جهل اللعين : لئن رآه يصلّي ليدمغه ، فجاء ومعه حجر والنبي صلىاللهعليهوآله قائم يصلي ، فجعل كلّما رفع الحجر ليرميه ، أثبت الله يده إلى عنقه ، ولا يدور الحجر بيده ، فلمّا رجع إلى أصحابه سقط الحجر من يده ، ثمّ قام رجل آخر ، وهو من رهطه أيضا ، فقال : أنا أقتله ، فلمّا دنا منه جعل يسمع قراءة رسول الله صلىاللهعليهوآله فارعب ورجع إلى أصحابه ، فقال : بيني وبينه [ كهيئة ] الفحل (٤) يخطر بذنبه ، فخفت أن أتقدّم (٥).
﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ
وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١٠) و (١١)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان شدّة امتناعهم عن الانقياد للنبي صلىاللهعليهوآله ، وعدم سلوكهم طريق الحقّ ، وعدم رؤيتهم معجزاته ، صرّج بعدم تأثير إنذاره في قلوبهم بقوله : ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ ولا يتفاوت في حقّهم ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ وخوّفتهم من عذاب الله على الشرك وتكذيبهم نبوّتك وكتابك ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ ولم تعظهم ، فانّ قلوبهم شرّ القلوب لأنّها لا تتّعظ بالعظة ، فاعلم إذن أيّها النبي أنّهم ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بك حتى يأتيهم الموت ، لكون ذواتهم في أعلى درجة الشقاوة ، وقلوبهم في أقصى مرتبة القساوة ، فلا تتعب نفسك في دعوتهم إلى الايمان ، ولا تكن حريصا في وعظهم وإنذارهم ، بل اكتف بما تتمّ به الحجّة عليهم.
ثمّ بيّن سبحانه اختصاص نفع الإنذار والدعوة إلى الايمان بأصحاب القلوب الصافية والآذان
__________________
(١) تفسير القمي ٢ : ٢١٢ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٤٤.
(٢) زاد في النسخة : أن.
(٣) تفسير الرازي ٢٦ : ٤٤ ، تفسير أبي السعود ٧ : ١٦٠.
(٤) في المصدر : العجل.
(٥) تفسير القمي ٢ : ٢١٢ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٤٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
