فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ
سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٧) و (٩)﴾
ثمّ بيّن سبحانه لجاج القوم وامتناعهم من الايمان بقوله : ﴿لَقَدْ حَقَ﴾ وثبت ووجب ﴿الْقَوْلُ﴾ والوعد الذي سبق منّا عند تهديد إبليس - حيث قلنا : ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ﴾(١) أو قولنا : ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾(٢) - ﴿عَلى أَكْثَرِهِمْ﴾ لوضوح كونهم أهل الشّقاوة والشّقاق ﴿فَهُمْ﴾ لخبث ذاتهم وانطباع قلوبهم ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بك وبكتابك وإنذارك أبدا ، ولا يطيعونك في شيء أصلا.
ثمّ شبّه سبحانه الأخلاق الرذيلة المانعة عن إيمانهم بالغلّ العريض الذي يكون في العنق فيمنع الرأس من تطأطئه وانحنائه بقوله : ﴿إِنَّا﴾ بتجبّلهم على الحسد والكبر والشّقاء ، كأنّه ﴿جَعَلْنا﴾ وصيّرنا ﴿فِي أَعْناقِهِمْ﴾ وجيادهم ﴿أَغْلالاً﴾ غلاظا ثقالا ﴿فَهِيَ﴾ لكثرة غلظها وعرضها منتهية من الصدور ﴿إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ﴾ لتلك الأغلال ﴿مُقْمَحُونَ﴾ رؤوسهم ورافعوها غير قادرين على تطأطئها والالتفات بها.
فحاصل المعنى أنّ كفّار مكة لكثرة تكبّرهم وشدّة حسدهم على النبيّ صلىاللهعليهوآله [ أبوا ] تسليما وانقيادا له ، وأن يلتفتوا إلى الحقّ ، وأن يفتحوا عيونهم لرؤية معجزاته وآياته ، وأن ينظروا إليه وإليها ، وأن يؤمنوا بما جاء به.
عن الصادق عليهالسلام ، قال : « هذا في الدنيا ، وفي الآخرة في نار جهنم مقمحون » (٣) .
ثمّ شبّه سبحانه امتناعهم عن سلوك طريق الحقّ والصراط المستقيم ، ووقوفهم على الكفر [ الذي ] عماهم عن رؤية المعجزات ، بمن كان في أطرافه سدّ عظيم لا يمكنه الخروج منه ، ولا رؤية ما في العالم من الأشياء بقوله : ﴿وَجَعَلْنا﴾ وخلقنا ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ وتلقاء وجوههم ﴿سَدًّا﴾ عظيما ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ وورائهم أيضا ﴿سَدًّا﴾ عظيما لا يمكنهم المشي لا من القبال ولا من الخلف ، فلا يقدرون على الذّهاب إلى المقصد ، والرجوع إلى المأوى والمأمن ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ﴾ وغطّينا رؤوسهم وأبصارهم بسبب السدّين ، لغاية تقاربهما وارتفاعهما ، أو بغشاء آخر مانع عن إبصارهم ﴿فَهُمْ﴾ لذلك ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ شيئا من آيات الآفاق والأنفس الدالات على وحدانية الله ، ومن المعجزات الدالة على نبوة النبي صلىاللهعليهوآله وحقّانية دينه.
عن الباقر عليهالسلام : « يقول فأعميناهم فهم لا يبصرون الهدى ، أخذ الله سمعهم وأبصارهم وقلوبهم ،
__________________
(١) سورة ص : ٣٨ / ٨٥.
(٢) السجدة : ٣٢ / ١٣.
(٣) الكافي ١ : ٣٥٨ / ٩٠ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٤٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
