لهدايتهم وإرشادهم إلى ما هو الصواب من امور الدنيا والآخرة ، فليس للكفار أن يقولوا : لست مرسلا ، وإنك ثابت أو متمكّن ﴿عَلى صِراطٍ﴾ وطريق ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ موصل إلى أعلى مراتب كمال الانسانية والقرب منه ، وأعلى درجات الجنة والرضوان بلا انحراف واعوجاج ، وهو الاسلام المركّب من التوحيد والمعارف الإلهية والأحكام العملية والأخلاق الربانية ، وإنّما وصف دينه بالاستقامة مع كون شرائع سائر الأنبياء مستقيمة لكون استقامته وإيصاله إلى المقصد الأعلى فوق استقامتها ، وفي توصيف القرآن البالغ حدّ الاعجاز في حسن الاسلوب وفصاحة البيان بالحكمة البالغة ، أو الحكومة بين الناس مع كون الآتي به اميا ، إشارة إلى كونه أقوى الأدلة على كونه واجدا للوصفين ، وإنّما أتى بالدليل بصورة الحلف للتنبيه بعظمة القرآن ، فانّ الحلف لا يكون إلّا بأمر عظيم عند الحالف ، وبأنّ البرهان قد اقيم على الأمرين مرارا بأبلغ بيان ، فلم يبق إلّا الحلف على المدّعى برجاء كونه سببا لوثوق المنكر به ، فجمع سبحانه بين الاستدلال والحلف بقوله : ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ أعني ﴿تَنْزِيلَ﴾ الإله ﴿الْعَزِيزِ﴾ والقاهر لكلّ شىء ، والقادر على عقوبة منكر القرآن ورسالة رسوله ودينه ﴿الرَّحِيمِ﴾ بمن أقرّ بالجميع ، والعطوف بمن أطاعه وأطاع رسوله ، أو المراد القاهر لعباده بجعل الأحكام الوجوبية والتحريمية ، الرحيم بهم بجعل الأحكام الندبية والكراهية والإباحية ، وإنّما وصفه بكونه تنزيلا من الله لكمال ظهور آثار النزول فيه ، بحيث صحّ أن يقال مبالغة : إنّ هذا لمنزل عين النزول.
ثمّ بيّن سبحانه علّة إرسال رسوله وتنزيل كتابه بقوله : ﴿لِتُنْذِرَ﴾ يا محمد وتخوّف ﴿قَوْماً﴾ وطائفة تكون فيهم ﴿ما أُنْذِرَ﴾ به وخوّف بتوسط سائر الأنبياء ﴿آباؤُهُمْ﴾ من العذاب. وقيل : يعني قوما الذين انذر آباؤهم (١) ، أو قوما نحو ما انذر آباؤهم ، كما روي عن الصادق عليهالسلام أنّه قال : « لتنذر القوم الذين أنت فيهم ، كما انذر آباؤهم » (٢) .
أقول : على هذا يكون ( ما ) مصدرية. وقيل : إنّها نافية ، والمعنى لتنذر قوما الذين ما انذر آباؤهم الأقربون لطول مدّة الفترة (٣) وغيبة الأنبياء من بينهم ، وإن انذر آباؤهم الأبعدون الذين كانوا في زمان إسماعيل ومن بعده من الأنبياء العرب والعجم ، فبعد غلبة الكفر وشيوعه وغيبة الأنبياء لم ينذروا ، فصار الناس جميعا غافلين عن التوحيد والمعارف والمعاد ، فصارت هذه الغفلة سببا لوجوب إنذارهم ، كما قال سبحانه : ﴿فَهُمْ غافِلُونَ﴾ عن الله ، وعن رسوله ، وعن وعيده ، كما عن الصادق عليهالسلام (٤) .
﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٦ : ٤٢ ، تفسير القرطبي ١٥ : ٦.
(٢) الكافي ١ : ٣٥٨ / ٩٠ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٤٥.
(٣) تفسير روح البيان ٧ : ٣٦٨.
(٤) الكافي ١ : ٣٥٨ / ٩٠ ، تفسير الصافي ٤ : ٢٤٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
