ثانياً : الحجاج والخطبة الفدكية
على الرغم من أنّ المشروع الأرسطي يؤشّر على أنّ المنطق ألزم العلوم للخطابة ؛ إلاّ أنّ الإقناع الخطبي كما حدّد أرسطو مقوّماته يختلف عن الإقناعين البرهاني والجدلي(١) ؛ ولئن كان أرسطو قد أقرّ في مقدّمة مصنّفه أنّ (الخطابة تناسب الجدل ؛ لأنّ كليهما يتناول أموراً تدخل ـ في نحو ما ـ في نطاق معرفة الناس جميعاً ، وليسا مقصورين على علم خاصّ بعينه»(٢) ، وهذا يعني : تقاربهما الحجاجي فـ (هما قوّتان لإنتاج(٣) الحجج) ، تهدفان لبناء الاعتقاد ، إلاّ أنّ الأولوية في الجدل تتعلّق بفحص واختبار المحمول ، ومن ثمّ فهو مقصور على الاستدلال في المناقشة الفكرية ، في حين أنّ موضوع الخطابة يرتبط بمجال القيم وغايات تحريك الفعل وتوجيه الجمهور(٤).
وعليه فالخطابة في النظرية الأرسطية تتوخّى (إنتاج قول عمومي يخدم القيم التي ينبغي أن يقوم عليها المجتمع الإنساني)(٥) ، وقواعد كلّية تندرج تحتها جزئيّات ، وإلاّ فالخطابة لا تتعلّق في الكلّيات ؛ بل بالجزئيّات ، وللجزئيّات موضع آخر غير الخطابة.
وبحسبان ما سبق فقد تعدّدت أدوات الربط لتبيان هذه القواعد الكلّية ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) ينظر : بلاغة الاقناع والمناظرة : ٥٣.
(٢) فنّ الخطابة ، ترجمة بدوي ، ط٢ ، ١٩٨٦م : ٢٣.
(٣) فنّ الخطابة ، ترجمة بدوي ، ط٢ ، ١٩٨٦م : ٣١.
(٤) بلاغة الإقناع : ٥٣.
(٥) الحجاج عند أرسطو ، هشام ريفي : ٢٦٨.
![تراثنا ـ العدد [ ١٢٩ ] [ ج ١٢٩ ] تراثنا ـ العدد [ 129 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4430_turathona-129%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)