وأمّا المقام الثالث : ففي حكمه
فيتوقّف على بيان معنى القاعدة ، وبيان المراد من النفي فيها.
فنقول : لا ريب أنّ هذه القضيّة المصدّرة بأداة النفي الغير المقيّدة ظاهرُها الأوّليّ النفي المطلق على وجه ينافيه الإيجاب الجزئي ، كما هو الشّأن في كلّ ما كان كذلك ؛ لأنّ السلب الكلّي ينافيه الإيجاب الجزئي ، خلاف النفي المقيّد الذي لا ينافيه الإيجاب المقيّد ، كما هو المعلوم في محلّه(١).
فلا يمكن الأخذ بهذا الظهور في خصوص المقام ؛ للزومه ما هو المحال على الشارع بعد وجود الضرر في الخارج.
فلا يمكن حمل النفي على حقيقته ، أعني : النفي عن الخارج مطلقاً ؛ لوجود الحقيقة في الخارج ، فلابدّ من صرف هذا الظهور إلى ما هو المعقول في المقام ، وهو أحد وجوه :
الأوّل : حمل النفي فيها على النهي ، ويكون المراد : النهي عن فعل الضرر ؛ لأنّ النهي إنّما يتعلق بالأفعال(٢).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) راجع : الإشارات والتنبيهات : (قسم المنطق) : ١/٣٠٤ ، وشروح الشمسيّة : ٢ / ١٦٩.
(٢) ذكر هذا الوجه جملة من اللغويين ، لاحظ لسان العرب : ٤ / ٤٨٢ ، تاج العروس : ٧ / ١٢٢ ، ولعلّ أوّل من تبعهم من الأصوليين البدخشي في منهاج العقول في شرح منهاج الوصول : ٣ / ١٢٦ ـ ١٢٧ ، فقد قال : «والضرر والمضارّة ممنوع عنه شرعاً ، وتحقيق ذلك أنّ النفي هنا بمعنى النهي بقرينة أنّ أصل الضرر واقع ، فالمعنى لا يضرّوا» ، ولذا اشتهر في كتب الفقهاء والأصوليين نسبة هذا القول إليه ، وممّن اختار هذا الوجه السيّد المراغي في العناوين : ١ / ٣١١ ، وشيخ الشريعة في رسالة في القاعدة ص : ٤٠.
![تراثنا ـ العدد [ ١٢٩ ] [ ج ١٢٩ ] تراثنا ـ العدد [ 129 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4430_turathona-129%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)