الشرح
اتّضح مما سبق أن القاعدة العملية الأولية هي وجوب الاحتياط وأصالة الاشتغال فيما يرتبط بالتكاليف المحتملة ، وذلك لسعة دائرة حق الطاعة ، في قبال المشهور الذي ذهب إلى البراءة العقلية وهو أن حقّ الطاعة لله تعالى إنما يختصّ بالتكاليف المعلومة ولا يشمل ما عداها.
وكذلك اتضح عدم معقولية ورود ترخيص من المولى على خلاف التكاليف المعلومة والمقطوعة ، لأن حجّية القطع ذاتية ، ولكن ورود ترخيص من الشارع فيما يرتبط بالتكاليف المحتملة مما يمكن تعقّله ، وذلك لأن حكم العقل بحقّ الطاعة لله تعالى على عبيده في دائرة التكاليف المحتملة إنما هو حكم تعليقيّ لا تنجيزيّ ، بمعنى : أن العقل يحكم بحقّ الطاعة لله على عبيده في التكاليف المحتملة إذا لم يرِد ترخيص من الشارع بارتكاب التكليف المحتمل ، وأما إذا ورد إذن وترخيص من الشارع في ترك الاحتياط العقلي ، أي ارتكاب التكاليف المحتملة أعمّ من الشبهة الوجوبية أو الشبهة التحريمية ، فعندئذ تنقلب القاعدة العملية الأولية إلى القاعدة العملية الثانوية ، وهذا ما يسمّى بالبراءة الشرعية.
وفي ضوء هذا يتّضح الفرق بين مسلك المصنّف قدسسره ومسلك المشهور من الأصوليين ، فعلى مسلك المصنّف : تكون البراءة الشرعية رافعة لموضوع الاحتياط العقلي والاشتغال العقلي ، وأما على مسلك المشهور : تكون البراءة الشرعية موافقة مضموناً للبراءة العقلية. وبيان الثمرات المترتبة على هذين المسلكين موكول إلى الحلقة الثانية والثالثة.
