تصوّر اللفظ مقدّمة لإخطار المعنى الذي هو المقصد الأساسي.
وهذا ما يعبّر عنه في كلمات الأصوليين : إنّ تصوّر اللفظ يكون باللحاظ الآلي ، وتصوّر المعنى يكون باللحاظ الاستقلالي ومرادهم من الآليّة والاستقلاليّة : أن المقصود الأساسي والأوّلي للمستعمل هو إخطار المعنى في ذهن السامع ، ولكن لمّا لم يمكن أن يخطر المعنى في ذهن السامع إلا من خلال أداة وآلة خاصة ، فلحاظه للفظ يكون لحاظاً مقدّمياً وآلياً وأدَوِيّاً.
ومثاله : النظر في المرآة ، والنظر إلى المرآة. فالشخص الذي يريد أن ينظر صورته في المرآة ، يكون نظره لحاظاً آلياً ، لأنه لحظ المرآة بما هي أداة وآلة تعكس صورته كناظر ، وهو غافل عن النظر إلى نفس المرآة ، ولكن الشخص الذي يريد أن يشتري المرآة ، فإنه ينظر إلى المرآة بما هي مرآة ، وهو غافل عن النظر إلى صورته ، فهو لحاظ استقلالي.
إشكالان وجوابان
الأول : لزوم التناقض : وهو عدم إمكانية اجتماع لحاظ الشيء والغفلة عنه.
وجوابه : ليس مرادنا من الغفلة هو الذهول ، وأنها لا لحاظ لها ، وإنما مرادنا أن النفس لا تلحظ وجود تلك الآلة والأداة على نحو الوجود الاستقلالي ، بل تلحظه بما هو وجود مندكّ فانٍ في المقصود الأساسي الملحوظ باللحاظ الاستقلالي. فالنفس لها لحاظ للّفظ ولكن لا بالقصد الأولي والعنوان الأولي ، وإنما بما هو فانٍ في المعنى ، فكأنما القصد كلَّ القصد إلى المعنى لا إلى اللفظ.
وعليه فلا إشكال في اجتماع اللحاظ مع الغفلة بهذا المعنى ، لا الغفلة بنحو مطلق.
ومن هنا ذهب جماعة ـ منهم صاحب الكفاية ـ إلى استحالة استعمال اللفظ في معنيين في استعمال واحد
