ومثل هؤلاء الأفذاذ نادر شاذ ، تنضجه طبيعة الدهور والأحقاب مرور الليالي والأيّام ، فتأتي سبيكة حمراء ، بل درّة زهراء ، في البرهة بعد البرهة ، والقرن بعد القرن.
ها هو فقيدنا بالأمس كان آية العزيمة ، من ذلك الفرقان ، وبيضة العقر(١) في هذا الزمان ، كشفت متواصلات الرزايا العامّة منه عن ابن بجدة(٢) ، ضليع في الزعامة ، منيع في أوج الكرامة ، يتعب نفسه في راحة قومه ، ويتهالك على صوالح أمّته وملّته ، يستسهل الصعب ، ويستلين الخشن ، ولا يعروه ملل ولا كسل في نشر علم وعمل.
عرفناه وكلّ أبناء وطنه ، وعامّة أبناء جنسه ، في معارك الدهر ومَبارِك المحن ، ونزول الأخطار على هذه الأقطار ، فوجدناه حصناً منيعاً ، كاشف لأواء(٣) ، وجنّة عصماء ، وهمّة قعساء ، وقنّة راسية(٤) ، تزول دونها الرواسي ، وتنحطّ عندها الأفلاك.
نحن لا نريد ، أن نطري في الثناء ، وننضّد صفوف الألقاب والمدائح ، وإنّما نريد أن نعطي الحقيقة حقّها ، ونوفي ذا الصنع الجميل شكره ، أداء لحقّه ، وتنشيطاً لغيره ، بذكر موجز من القول ، من ولادته ، وترجمة حياته ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) مثل يضرب للشئ مرّة واحدة، قيل أنّها بيضة الديك، العين، ١/٥٠.
(٢) البجدة : الباطن والحقيقة ، يقال : هو ابن بجدة أي هو عالم به.
(٣) لأواء : الشدّة والضيق ، النهاية في غريب الحديث ، ٤/١٢٠.
(٤) القنة : الجبل المنفرد المرتفع في السماء ، النهاية في غريب الحديث ، ٤/١٢٠.
![تراثنا ـ العددان [ ١٢٧ و ١٢٨ ] [ ج ١٢٧ ] تراثنا ـ العددان [ 127 و 128 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4417_turathona-127-128%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)