قلنا : في هذه الآية وجوه :
أوّلها : أن يكون المراد بالآية : ربّنا لا تشدّد علينا المحنة في التكليف ، ولا تشقّ علينا فيه ، فيفضي بنا ذلك إلى زيغ قلوبنا بعد الهداية ؛ وليس يمتنع أن يضيفوا ما وقع من زيغ قلوبهم عند تشديده تعالى المحنة عليهم إليه ؛ كما قال تعالى في السورة : إنّها زادتهم رجساً إلى رجسهم ، وكما قال مخبراً عن نوح : (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إلاّ فِراراً) (١).
فإن قيل : كيف يشدّد عليهم في المحنة؟
قلنا : بأن يقوّي شهواتهم ، لمّا قبحت عقولهم ، ونفورهم عن الواجب عليهم ، فيكون التكليف عليهم بذلك شاقّاً ، والثواب المستحقّ عليه عظيماً متضاعفاً وإنّما يحسن أن يجعله شاقّاً تعريضاً لهذه المنزلة.
وثانيها : أن يكون ذلك دعاءً بالتثبيت على الهداية ، وإمدادهم بالألطاف التي معها يستمرّون على الإيمان. ويجري مجرى قولهم : اللّهم لا تسلّط علينا من لا يرحمنا ؛ معناه لا تخلّ بيننا وبينه فيتسلّط علينا ؛ فكأنهم قالوا : لا تخلّ بيننا وبين نفوسنا وتمنعنا ألطافك ، فنزيغ ونضلّ.
وثالثها : ما أجاب به الجبائي ، قال : المراد : ربّنا لا تزغ قلوبنا عن ثوابكورحمتك. ومعنى هذا السؤال أنّهم سألوا الله أن يلطف لهم في فعل الإيمان ؛ حتّى يقيموا عليه ولا يتركوه في مستقبل عمرهم ، فيستحقّوا بترك الإيمان أن تزيغ قلوبهم عن الثواب ، وأن يفعل بهم بدلاً منه العقاب.
__________________
(١) نوح : ٦.
![تراثنا ـ العدد [ ١٢٤ ] [ ج ١٢٤ ] تراثنا ـ العدد [ 124 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4407_turathona-124%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)