تكون الحياة في إجابته؟
الجواب : أمّا قوله : (يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) ففيه وجوه :
أوّلها : أن يريد بذلك أنّه تعالى يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بالموت ، وهذا حثّ منه على الطاعات والمبادرة بها قبل الفوت وانقطاع التّكليف ، وتعذّر ما يسوّف به المكلّف نفسه من التوبة ويقوّى ذلك قوله : (وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).
وثانيها : أنّه يحول بين المرء وقلبه بإزالة عقله وإبطال تمييزه ، وإن كان حيّاً ، وهذا الوجه يقرب من الأوّل ؛ لأنّه حثٌّ على الطاعات قبل فوتها ، لأنّه لا فرق بين تعذّر التوبة بالموت وبين تعذّرها بإزالة العقل.
وثالثها : أن يكون المعنى المبالغة في الإخبار عن قربه من عباده وعلمه بما يبطنون ويخفون ؛ وأنّ الضمائر المكنونة ظاهرة له ؛ ويجري ذلك مجرى قوله تعالى :
(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)(١) ، ونحن نعلم أنّه لم يرد قرب المسافة ، بل المعنى الّذي ذكرناه.
وإذا كان تعالى أعلم بما في قلوبنا منّا ، وكان ما نعلمه يجوز أن ننساه ، ونسهو عنه ، وكلّ ذلك لا يجوز عليه ، جاز أن يقول : إنّه يحول بيننا وبين قلوبنا ؛ لأنّه معلوم في الشاهد أن كلّ شيء يحول بين شيئين فهو أقرب
__________________
(١) ق : ١٦.
![تراثنا ـ العدد [ ١٢٤ ] [ ج ١٢٤ ] تراثنا ـ العدد [ 124 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4407_turathona-124%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)