ونحن نعلم أنّه لا خير في العقاب ؛ وإنّما حسن ذلك لوقوعه موقع التوبيخ والتقريع على اختيار المعاصي على الطاعات ، وأنّهم ما ارتكبوا المعاصي وآثروها على الطاعات إلاّ لاعتقادهم أنّ فيها خيراً ونفعاً ، فقيل : أذلك خير ، أم كذا؟
وقد قال قوم في قوله تعالى : (أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ) : إنّما حسن ذلك لاشتراك الحالين في باب المنزلة ، وإن لم يشتركا في الخير والنفع ، كما قال : (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا)(١) ، ومثل هذا فيأتي في قوله : (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ) ؛ لأنّ الأمرين ـ أعني المعصية ودخول السجن ـ مشتركان في أنّ لكلٍّ منهما داعياً ، وعليه باعثاً ، وإن لم يشتركا في تناول المحبّة ، فجعل اشتراكهما في داعي المحبّة اشتراكاً في المحبّة نفسها وأجري اللّفظ على ذلك.
ومن قرأ السجن بفتح السين فالتأويل أيضاً ما ذكرناه.
والثاني : أن يكون معنى (أَحَبُّ إِليّ) أي أهون عندي وأسهل عليّ.
وأمّا قوله : (وَإلاّ تَصْرِفْ) الآية ، فليس المعنى ما ظنّه السائل ؛ بل المراد : متى لم تلطف لي صبوت ؛ وهذا منه على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى ، والتسليم لأمره ، وأنّه لو لا معونته ولطفه ما نجا من كيدهنّ ؛ والنبيّ إنّما يكون معصوماً بعصمته تعالى له وبلطفه وتوفيقه.
__________________
(١) الفرقان : ٢٤.
![تراثنا ـ العدد [ ١٢٤ ] [ ج ١٢٤ ] تراثنا ـ العدد [ 124 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4407_turathona-124%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)