عن كيده ، أو لم يصرفهنّ.
والجواب : أمّا قوله : (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) ففيه وجهان :
الأوّل : أنّ المحبّة متعلّقة في ظاهر الكلام بما لا يصحّ في الحقيقة أن يكون محبوباً مراداً ؛ لأنّ السجن إنّما هو الجسم ، والأجسام لا يجوز أن يريدها ؛ وإنّما يريد الفعل فيها ، أو المتعلّق بها ؛ فالسجن نفسه ليس بطاعة ولا معصية ، وإنّما الأفعال فيه قد تكون طاعات ومعاصي بحسب الوجوه التي يقع عليها ؛ وإدخال القوم يوسف السجن ، وإكراههم له على دخوله معصية منهم ؛ وكونه فيه وصبره على ملازمته ، طاعة منه.
فإن قيل : كيف يجوز أن يقول : (السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ) ، وهو لا يحبّ ما دعوه إليه جملة ؛ ومن شأن مثل هذه اللفظة أن تدخل بين ما وقع فيه اشتراك في معناها ؛ وإن فضّل البعض على البعض؟
قلنا : قد تستعمل هذه اللفظة في مثل هذا الموضع ؛ وإن لم يكن في معناها اشتراك على الحقيقة ، ألا ترى أنّ من خيّر بين ما يحبّه وبين ما يكرهه جائز أن يقول : هذا أحبّ إليّ من هذا ، وإن لم يجز مبتدئا أن يقول من غير أن يخيّر : هذا أحبّ إلى من هذا.
وممّا يقارب ذلك قوله : (قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ)(١) ،
__________________
(١) الفرقان : ١٥.
![تراثنا ـ العدد [ ١٢٤ ] [ ج ١٢٤ ] تراثنا ـ العدد [ 124 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4407_turathona-124%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)