العزم على الفاحشة وإرادة المعصية :
أوّلها : أنّ الهمّ في ظاهر الآية متعلّق بما لا يصحّ أن يعلّق به العزم أو الإرادة على الحقيقة ؛ لأنّه قال : (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها) ، فعلّق الهمّ بهما ، وذاتاهما لا يجوز أن يراد أو يعزم عليهما ؛ لأنّ الموجود الباقي لا يصحّ ذلك فيه ، فلا بدّ من تقدير محذوف يتعلّق(١) العزم به ؛ وقد يمكن أن يكون ما تعلّق به همّه إنّما هو ضربها أو دفعها عن نفسه ، كما يقول القائل : كنت هممت بفلان ، وقد همّ فلان بفلان ؛ أي بأن يوقع به ضرباً أو مكروهاً.
فإن قيل : فأيّ معنى لقوله تعالى : (لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) والدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها؟
قلنا : يمكن أن يكون الوجه في ذلك أنّه لـمّا همّ بدفعها وضربها أراه الله برهاناً على أنّه إن أقدم على ما همّ به أهلكه أهلها أو ضربوه(٢) ، أو أنّها تدّعي عليه المراودة على القبيح أو تعرّفه بأنّه دعاها إليه ، وأنّ ضربه لها كان لامتناعها ، فيظنّ به ذلك ، فأخبر الله أنّه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشاء ، يعني بذلك القتل والمكروه اللّذين كانا يوقعان به ، أو يعني بالسوء والفحشاء ظنّهم به ذلك.
فإن قيل : هذا الجواب يقتضي جواز تقدّم جواب لَوْلا ، وتقديره : لولا أن رأى برهان ربّه لهمّ بضربها ودفعها ، وتقدّمه قبيح.
__________________
(١) م / ر : (ويتعلق).
(٢) م : (اومن يوه) بدل (أو ضربوه).
![تراثنا ـ العدد [ ١٢٤ ] [ ج ١٢٤ ] تراثنا ـ العدد [ 124 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4407_turathona-124%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)