فقال : كيف ينزل الله السّحر على الملائكة؟ وكيف يعلم الناس السّحر والتفريق بين المرء وزوجه؟ وكيف نسب الضرر الواقع عند ذلك إلى أنّه بإذنه ، وهو تعالى نهى عنه ، وحذّر من فعله؟ وكيف أثبت العلم لهم ونفاه عنهم ، بقوله : (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ) ، ثمّ قال : (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ)؟
الجواب : قلنا : في الآية وجوه :
أوّلها : أن يكون ما في قوله : (وَما أُنْزِلَ) بمعنى الّذي ، فكأنّه تعالى خبر عن طائفة من أهل الكتاب ، بأنّهم اتّبعوا ما تكذب فيه الشياطين على ملك سليمان ، وتضيفه إليه من السّحر ؛ فبرّأه الله من قرفهم ، وأكذبهم في قولهم ، فقال : (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا) باستعمال السّحر والتمويه على الناس ، ثمّ قال : (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) ، وصف السحر وماهيّته وكيفيّته والاحتيال(١) فيه ؛ ليعرفا ذلك ويعرّفاه الناس فيجتنبوه ويحذروا منه ، كما أنّه تعالى قد أعلمنا ضروب المعاصي ، ووصف لنا أحوال القبائح لنجتنبها لا لنواقعها ؛ لأنّ الشياطين كانوا إذا علموا ذلك استعملوه ، وأقدموا على فعله ؛ والمؤمنين لمّا عرفوا اجتنبوه وامتنعوا باطّلاعه على كيفيته ، ثمّ قال : (وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَد) يعني الملكين ، ومعنى (يُعَلِّمانِ) يعلمان ، والعرب يستعمل لفظة (علّمه) بمعنى أعلمه ، قال القطاميّ(٢) :
__________________
(١) الأمالي : (كيفية الاحتيال).
(٢) القطامي التغلبي ، عُمير بن شُييم بن عمرو بن عبّاد ، من بني جُشَم بن بكر ، أبو سعيد ، التغلبي الملقب بالقطامي (ت ١٣٠هـ).
![تراثنا ـ العدد [ ١٢٤ ] [ ج ١٢٤ ] تراثنا ـ العدد [ 124 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4407_turathona-124%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)