بالاجتماع في الهدى والدين وتأويل الآية بأنّ المراد مشيئة الله تعالى على وجه الإلجاء وأي لو شاء ربّك لجعلهم أمّة واحدة في اجتماعهم على الهدى على وجه الإلجاء ، لأنّه قادر على ذلك غالب غير مغلوب ، لكنّه لم يجعلهم أمّة واحدة بالإلجاء ، ولايلزم من ذلك عدم مشيئته لكونهم أمّة واحدة بالاختيار ، فإنّ نفي الخاصّ لا يستلزم نفي العامّ ، ثمّ جعل قوله : (وَلِذَلِكَ خَلَقَهُم) ، إشارة إلى الرحمة دون الاختلاف لكون الرحمة أقرب ، والجواب أنّه ليس المراد من الاختلاف في الدين والهدى ، فإنّه لا نزاع في أنّه تعالى أراد اجتماعهم على الهدى بسبب اختلافهم في مراتب الإيمان والهدى والدين ، وجميع تلك المراتب طرق إلى رحمة الله والاختلاف كما يكون بسبب اختلاف الفاعل الذي يكون بسبب اختلاف القابل ، ألا ترى كيف تؤثّر النار في الشمع بالإذابة وفي البيض بالانعقاد؟! وكيف يجمع الصبّاغ الثياب في جبٍّ واحد فيخرجها مختلفة الألوان لاختلاف استعداداتها؟! وكيف تؤثّر الشمس مع اتحادها تأثيرات مختلفة بحسب اختلاف القوابل؟! كذلك الشارع يجمع الناس في جبّ الشريعة ليصنع كلّ واحد منهم بصنع يناسب لاستعداده فيحصل الاختلاف بحسب اختلاف استعداداتهم ، وهو المراد في الآية والخبر ، وأمّا ما فيه الاختلاف فاعلم أنّ الإنسان مركّب من خمسة أشياء ؛ من النفس والقلب والروح والطبيعة وآلاتها ، واختلاف الإنسان باختلافها جميعاً. أمّا النفس فالمراد به النفس العاقلة المجرّدة واختلافها في ذاتها بالكمال والنقصان حتّى تكون بين كامل وبين جاهل وبينهما وسائط لا تُحصى كثرةً ،
![تراثنا ـ العدد [ ١٢٤ ] [ ج ١٢٤ ] تراثنا ـ العدد [ 124 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4407_turathona-124%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)