مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾(١) فأنصت عليّ عليهالسلام تعظيما للقرآن ، حتّى فرغ من [ الآية ثم عاد في ] قراءته ، ثمّ أعاد ابن الكوّاء الآية ، فأنصت عليّ عليهالسلام أيضا ، ثمّ قرأ فأعاد ابن الكوّاء ، فأنصت عليّ عليهالسلام ، ثمّ قال : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾(٢).
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ
وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد الأمر بالإنصات عند تلاوة القرآن ، أمر نبيّه صلىاللهعليهوآله والمؤمنين بإخفات ذكر الله لكونه أقرب إلى الإخلاص ، بقوله : ﴿وَاذْكُرْ﴾ يا محمّد ﴿رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ وفي الخفية بحيث لا يسمع ذكرك غيرك ، حال كونك تتضرّع إليه وتخاف منه ﴿تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾
قيل : معنى الذّكر في النّفس : كون الإنسان عارفا بمعاني الأذكار التي يقولها باللّسان ، مستحضرا لصفات الله الكمالية وعزّه وعلوّه وجلاله وعظمته.
وفي توصيف ذاته المقدّسة بصفة الربوبيّة في المقام إشعار بكمال رحمته وقربه من الذّاكر ، وفضله وإحسانه إليه.
وقيل : إنّ الخطاب في الآية إلى الإنسان ، لا خصوص النبيّ صلىاللهعليهوآله.
ثمّ رخّص سبحانه في ترك المبالغة في الإخفات ، وأن يذكربصوت فوق الأخفات بقوله : ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ وفوق الإخفات ، فيكون متوسّطا بينهما.
وعن ابن عبّاس : إنّ المعنى أن يذكر ربّه على وجه يسمع نفسه (٣) . ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ والصّباح والمساء ؛ لكونهما أفضل الأوقات ﴿وَلا تَكُنْ﴾ في وقت من الأوقات ﴿مِنَ الْغافِلِينَ﴾ عن ربّك وذكره واللّاهين عنه.
عن النبيّ صلىاللهعليهوآله : ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً﴾ يعني : مستكينا ﴿وَخِيفَةً﴾ يعني : خوفا من عذابه ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ يعني : دون الجهر من القراءة ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ يعني : بالغداة والعشيّ » (٤) .
وعن أمير المؤمنين عليهالسلام : « من ذكر الله في السرّ فقد ذكر الله كثيرا ، إنّ المنافقين كانوا يذكرون الله
__________________
(١) الزمر : ٣٩ / ٦٥.
(٢) التهذيب ٣ : ٣٥ / ١٢٧ ، تفسير الصافي ٢ : ٢٦٣ ، والآية من سورة الروم : ٣٠ / ٦٠.
(٣) تفسير الرازي ١٥ : ١٠٨.
(٤) تفسير العياشي ٢ : ١٧٩ / ١٦٧٨ ، تفسير الصافي ٢ : ٢٦٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
