ولمّا كان قومك عربا جعلناه ﴿عَرَبِيًّا﴾ ليسهل عليهم فهمه وحفظه ، إذن فاتّبعه وأعمل به ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ بدع المشركين و﴿أَهْواءَهُمْ﴾ التي يدعونك إليها ، وسلكت طريقتهم الباطلة التي مالت إليها طباعهم ﴿بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ﴾ قبل الله ﴿الْعِلْمِ﴾ بصحّة دينك واستقامة طريقتك بالآيات الباهرة والبراهين المتقنة ﴿ما لَكَ مِنَ﴾ عذاب ﴿اللهِ﴾ ونقمته ﴿مِنْ وَلِيٍ﴾ وناصر يدفعه عنك ﴿وَلا واقٍ﴾ وحافظ يحفظك منه.
روي أنّ المشركين كانو يدعونه عليهالسلام إلى [ اتباع ملّة آبائهم المشركين ، وكان اليهود يدعونه إلى ] الصلاة إلى قبلتهم [ أي بيت المقدس ] بعد ما حوّل عنها (١) ، فتوعّده الله على متابعتهم.
قيل : إنّ الغرض [ منه ] حثّ الرسول صلىاللهعليهوآله على القيام بحقّ الرسالة وتحذيره من خلافها ، وفيه تحذير عامة المكلفين (٢) .
عن ابن عباس : الخطاب مع النبي صلىاللهعليهوآله ، والمراد امّته (٣) .
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ
يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ
الْكِتابِ (٣٨) و (٣٩)﴾
ثمّ لمّا كان من شبهاتهم في نبوته أنّه بشر ، ولا يكون النبي إلّا ملكا ، فدفعه الله بقوله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً﴾ كثيرة عظيمة الشأن ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ وفي الأزمنة السابقة على عصرك ، كلّهم كانوا من جنس البشر لا من جنس الملائكة.
ومنها أنّ محمّدا لو كان نبيا لما كان مشتغلا بالنساء ، بل كان معرضا عنهنّ مشتغلا بالعبادة ، فردّهم الله بقوله : ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً﴾ فقد كان لداود مائة امرأة ولسليمان ثلاثمائة مهيرة وسبعمائة سرّية (٤) .
ومنها أنّ محمّدا لو كان رسولا صادقا ، لكان يأتي بما طلبنا منه من المعجزات ، فأجاب الله تعالى عنها بقوله : ﴿وَما كانَ﴾ وما صحّ ﴿لِرَسُولٍ﴾ من الرسل ﴿أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ ومعجزة ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ ومشيئته التي يدور عليها أمر الكائنات.
ومن المعلوم أنّه لا يجب على الله أن يأذن في إتيان المعجزة إلّا بمقدار كاف في إثبات الرسالة
__________________
(١) تفسير روح البيان ٤ : ٣٨٣.
(٢ و٣) تفسير الرازي ١٩ : ٦٢.
(٤) المهيرة : الغالية المهر ، والسّرّيّة : الأمّة التي أنزلتها بيتا.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
