قلوبهم ، ولعدم (١) انتفاعهم برؤية أبصارهم كأنّهم ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾
وقيل : إنّ ضمائر الجمع كلّها راجعة إلى الأصنام ، والمراد المبالغة في عجزها وعدم استفادة المشركين بالاستعانة منها في الإساءة إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله ، والمعنى : إن تدعوا أيّها المشركون أصنامكم إلى أن يهدوكم إلى إمدادكم في تحصيل مقاصدكم لا يسمعوا دعاءكم ، وترى أيّها الرّائي وتتخيّل أنّ الأصنام ينظرون إليك - لما أنّ المشركين صنعوا لها أعينا مركّبة من الجواهر المضيئة المتلألئة ، وصوّروها بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليه - والحال أنّهم لا يبصرون ، فلا سمع لهم ولا بصر.
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)﴾
ثمّ لمّا أمّن الله نبيّه صلىاللهعليهوآله من كيد المشركين مع كونهم مهدّدين له ومسيئين إليه ، أمره الله بالعفو عنهم والمداراة معهم بقوله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ عمّن أساء إليك ، ولا تجاوزه بالسّوء ، ولا تغلظ عليه ، وعاشر بحسن الخلق ، والتزم به.
روي عن النبيّ صلىاللهعليهوآله [ أنّه ] سأل جبرئيل : « ما الأخذ بالعفو ؟ » فقال : لا أدري حتّى أسأل ، ثمّ رجع فقال : يا محمّد ، إنّ ربّك أمرك أن تعطي من حرمك ، وتصل من قطعك ، وتعفو عمّن ظلمك ، وتحسن إلى من أساء إليك (٢) .
وقيل : إنّ المراد : اقبل من أفعال النّاس ما سهل عليهم ، ومن أموالهم ما تيسّر لهم ، ولا تحمل عليهم الكلفة ، ولا تطلب منهم ما يشقّ عليهم (٣) .
عن أمير المؤمنين عليهالسلام أنّه قال لرجل من ثقيف : « إيّأك أن تضرب مسلما أو يهوديّا أو نصرانيّا في درهم خراج ، أو تبيع دابّة عمل في درهم ، فإنّا امرنا أن نأخذ منه العفو » (٤) .
وعن الصادق عليهالسلام : « أنّ الله أدّب رسوله بذلك ، أي خذ منهم ما ظهر وتيسّر » . قال : « والعفو : الوسط » (٥) .
﴿وَأْمُرْ﴾ يا محمّد امّتك ﴿بِالْعُرْفِ﴾ وبالجميل من الأفعال ، والحميد من الأخلاق. ويدخل فيه غضّ البصر عن المحارم ، وكفّ الجوارح عن المآثم ، والقيام بالواجبات والمستحبّات ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ﴾ سيّئات ﴿الْجاهِلِينَ﴾ والسّفهاء ، ولا تمارهم ولا تكافئهم بمثل سفههم.
عن الرضا عليهالسلام : « أنّ الله أمر نبيّه صلىاللهعليهوآله بمداراة النّاس فقال : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَن
__________________
(١) في النسخة : وعدم.
(٢) تفسير الرازي ١٥ : ٩٦ ، تفسير روح البيان ٣ : ٢٩٨.
(٣) تفسير الصافي ٢ : ٢٦٠.
(٤) من لا يحضره الفقيه ٢ : ١٣ / ٣٤ ، تفسير الصافي ٢ : ٢٦١.
(٥) تفسير العياشي ٢ : ١٧٨ / ١٦٦٩ ، تفسير الصافي ٢ : ٢٦١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
