وعن القمّي : أنّ قريشا بعثت العاص بن وائل السّهمي ، والنّضر بن الحارث بن كلدة ، وعقبة بن أبي معيط إلى نجران ، ليتعلّموا من علماء اليهود مسائل يسألونها رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وكان فيها : سلوا محمّدا متى تقوم الساعة ، فإن ادّعى علم ذلك فهو كاذب ، فإنّ قيام السّاعة لم يطلع الله عليه ملكا مقرّبا ولا نبيّا مرسلا ، فلمّا سألوه نزلت (١) .
﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ استأثر به ، لم يطلع عليه أحدا من خلقه وإن كان ملكا مقرّبا أو نبيّا مرسلا ﴿لا يُجَلِّيها﴾ ولا يظهرها ﴿لِوَقْتِها﴾ وفي زمانها أحد ﴿إِلَّا هُوَ﴾ تعالى شأنه ، وإنّما يعلمها غيره تعالى حين وقوعها ، فإذا وقعت ﴿ثَقُلَتْ﴾ وعظمت ﴿فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ على أهلهما من الملائكة والجنّ والإنس ، لشدّة أهوالها ، وعظم ما فيها من الشدائد.
وقيل : لأنّ فيها فناءهم وهلاكهم. وقيل : ثقيل على قلوبهم لأنّهم يعلمون أنّهم يصيرون فيها إلى البعث والحساب والسّؤال (٢) .
وقيل : ثقلت وقعتها على السّماوات ؛ لأنّ عندها تشقّقت السّماوات ، وتكوّرت الشّمس والقمر ، وانتثرت النّجوم ، وثقلت على الأرض ؛ لأنّ فيها تبدّل الأرض غير الأرض ، وتبطل الجبال والبحار (٣) .
وقيل : يعني خفيت في السّماوات والأرض ؛ أي لا يعلم أحد من الملائكة الأقربين والأنبياء المرسلين متى يكون وقوعها (٤) .
ثمّ أنّه أكّد سبحانه خفاءها على غيره بقوله : ﴿لا تَأْتِيكُمْ﴾ أيّها النّاس ﴿إِلَّا بَغْتَةً﴾ وفجأة وعلى حين غفلة.
عن النبيّ صلىاللهعليهوآله أنّه قال : « إنّ السّاعة تفجأ النّاس ، فالرّجل يصلح موضعه ، والرّجل يسقي ماشيته ، والرّجل يقوم بسلعته في سوقه ، والرّجل يخفض ميزانه ويرفعه » (٥) .
وعنه صلىاللهعليهوآله : « والذي نفس محمّد بيده ، لتّقومنّ السّاعة وإنّ الرّجل ليرفع اللّقمة إلى فيه حتى تحول السّاعة بينه وبين ذلك » (٦) .
ثمّ أشار سبحانه إلى علّة سؤالهم بقوله : ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ عن السّاعة ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌ﴾ ومبالغ في السؤال ﴿عَنْها﴾ شديد الطلّب لمعرفتها حتّى علمتها ، أو كأنّك بارّ لطيف بهم بحيث لا تمنعهم من علمها.
ثمّ بالغ تعالى في جهل غيره بها بقوله : ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ لم يعلم بها أحدا من خلقه
__________________
(١) تفسير القمي ١ : ٢٤٩ ، تفسير الصافي ٢ : ٢٥٨.
( ٢ و٣ و٤ ) . تفسير الرازي ١٥ : ٨١.
(٥ و٦) . تفسير الرازي ١٥ : ٨١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
