ثمّ أنّه حذّرهم الله من العقوبة على ترك النّظر بقوله : ﴿وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ قيل : إنّ المعنى : ألم ينظروا في أنّه يحتمل أن يكون موتهم قريبا ؛ فيموتون على الضّلال ويبتلون بالعذاب ، فإنّ العقل عند ذلك حاكم بوجوب المسارعة في النّظر وتحقيق الحقّ ، كي يأمنوا من العذاب قبل موتهم.
فإذا لم يكتفوا في تحقيق الحقّ بالقرآن ، ولم يؤمنوا به مع اشتماله على البراهين المتقنة على التّوحيد والرّسالة والمعاد ، مع إعجاز البيان ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ وكلام أو كتاب ﴿بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ مع أنّه لا يمكن أن يكون حديث أبين للحقّ وأحسن منه ، فإذا لم يؤمنوا به فلا يرجى منهم الإيمان أبدا.
﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾
ثمّ لمّا بيّن سبحانه أنّ الذين لا يؤمنون بالقرآن لا يؤمنون بغيره من الكتب السماويّة ، بيّن غاية ضلالتهم بقوله : ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ عن سبيل الحقّ ، ويحرفه عنها إلى الباطل بسلب توفيقه عنه ، وإيكاله إلى نفسه ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾ من الأنبياء والرّسل ، لعدم تأثير المواعظ والكتب السماويّة في هدايته ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ ويتركهم ﴿فِي﴾ حال ﴿طُغْيانِهِمْ﴾ ومشاقّتهم مع الله والرّسول وهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ ويتجبّرون في جميع شؤونهم ، لا يصلون إلى خير أبدا.
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها
إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ
عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان عدم علمهم بوقت الموت لإيجاب المسارعة في تحصيل الدّين الحقّ ؛ لئلا يدركهم الموت وهم على الباطل ، بيّن جهل جميع الخلق أيضا بوقت قيام الساعة ، واختصاص العلم به بذاته المقدّسة بقوله : ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ يا محمّد ﴿عَنِ السَّاعَةِ﴾ والقيامة ﴿أَيَّانَ مُرْساها﴾ وأيّ وقت يكون إتيانها واستقرارها ؟ .
عن ابن عبّاس : أنّ قوما من اليهود قالوا : يا محمّد ، أخبرنا متى السّاعة إن كنت نبيّا ، فإنّا نعلم متى هي ؟ وكان ذلك امتحانا منهم مع علمهم بأنّه تعالى استأثر بعلمها ، فنزلت (١) .
وقيل : إنّ قريشا قالوا : يا محمّد ، إنّ بيننا وبينك قرابة ، فاذكر لنا متى السّاعة ؟ فنزلت (٢) .
__________________
(١) تفسير الرازي ١٥ : ٨٠.
(٢) تفسير الرازي ١٥ : ٨٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
