﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ اختصاص علمها ، أو سبب اختصاص علمها به.
﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ
لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾
ثمّ لمّا كان النّاس يطلبون منه الإخبار بالمغيّبات وإعطاءهم الأموال الكثيرة والدّولة العظيمة ، أمره الله بإظهار قصور قدرته الذاتيّة ، وعدم علمه بالمغيّبات إلّا بإعلام الله ، بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمّد لهم : ﴿لا أَمْلِكُ﴾ ولا أقدر ﴿لِنَفْسِي﴾ على أن أجلب ﴿نَفْعاً﴾ من المنافع الدّنيويّة والاخرويّة ﴿وَلا﴾ على أن أدفع ﴿ضَرًّا﴾ وشرّا من المضار والشّرور ﴿إِلَّا ما شاءَ اللهُ﴾ أن أملكه منهما ، ولا علم لي بشيء منهما إلّا بإعلامه تعالى.
قيل : إنّ المراد : ولكن ما شاء الله منهما كائن.
فمن كان بهذه الدّرجة من العجز والجهل الذاتّيين ، كيف يعلم وقت قيام السّاعة ؟ وكيف يقدر على إخباركم به من قبل نفسه ؟
﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ ولا زددت في قوتي ومالي وصحّتي القمّي : كنت أختار لنفسي الصحّة والسّلامة (١)﴿وَما مَسَّنِيَ﴾ وما أصابني ﴿السُّوءُ﴾ من الفقر - كما عن الصادق عليهالسلام (٢) - أو المكاره من العدو والفقر والمرض وغيرها ، بل ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا﴾ عبد أرسلني الله إليكم ؛ والرّسول ﴿نَذِيرٌ﴾ ومحذر من الكفر ومخالفة أحكام الله ﴿وَبَشِيرٌ﴾ بثواب الله ورحمته ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بالله وبرسالتي ، فإنّهم المنتفعون بمواعظي.
ومن شأن النّذير والبشير العلم بأحكام الله وما يرضيه ويسخطه ، وما يترتّب على طاعته ومخالفته ، لا العلم بالمغيّبات التي لا نفع فيها.
روي أنّ أهل مكّة قالوا : يا محمّد ، ألا يخبرك ربّك بالرّخص والغلاء حتى نشري فنربح ، وبالأرض التي تجدب لنرتحل إلى الأرض الخصبة ، فنزلت (٣) .
وقيل : لمّا رجع رسول الله صلىاللهعليهوآله من غزوة بني المصطلق ، جاءت ريح في الطريق فتفرق (٤) الدوابّ منها ، فأخبر النبيّ صلىاللهعليهوآله بموت رفاعة في المدينة ، وكان فيه غيظ للمنافقين ، ثمّ قال : انظروا أين ناقتي ؟
__________________
(١) تفسير القمي ١ : ٢٥٠ ، تفسير الصافي ٢ : ٢٥٨.
(٢) معاني الأخبار : ١٧٢ / ١ ، تفسير الصافي ٢ : ٢٥٨.
(٣) تفسير الرازي ١٥ : ٨٣.
(٤) في تفسير الرازي : ففرت.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
