العصاة خفية وغفلة منهم ﴿مَتِينٌ﴾ قويّ بحيث لا يقدرون على دفعه.
﴿أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد ذمّ الكفّار بغاية الغفلة وعدم الشّعور ، وبّخهم على ترك التفكّر في كمال عقل النبيّ صلىاللهعليهوآله الذي هو كالشمس في رائعة (١) النّهار ؛ بقوله : ﴿أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ قيل : إنّ التّقدير : أكذّبوا ولم يتفكّروا في البراهين العقلية التي يقيمها محمّد صلىاللهعليهوآله على صحّة دعواه ، والعلوم التي تظهر منه ببيان يعجز عن مثله مهرة الفصاحة والبلاغة ، ومعجزاته القاهرة ، وحسن خلقه ، وطيب عشرته ، ونقاوة سيرته ، ومتانة آرائه ، وغاية أمانته ، حتّى يعلموا أنّه ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ ونبيّهم الذي نشأ فيهم ، شيء وشائبة ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ واختلال عقل ، لا متناع أن يكون المتّصف بتلك الصّفات ناقص العقل فضلا عن فاقده ، بل هو قدوة عقلاء العالم.
قيل : إنّ كفّار قريش لمّا رأوا النبيّ صلىاللهعليهوآله معرضا عن الدّنيا ، مقبلا إلى الآخرة ، مبالغا في الدّعوة إلى التّوحيد ، متغيّرا لونه عند نزول الوحي عليه ، نسبوه إلى الجنون ، فردّهم الله بقوله : ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ لكم ولأهل العالم ، ومن شأنه أن يكون بتلك الصّفات ﴿مُبِينٌ﴾ ومبالغ في الإنذار ، مظهر له غاية الإظهار.
روي أنّه صلىاللهعليهوآله كان كثيرا ما يحذّر قريشا عقوبة الله ووقائعه النّازلة في الامم الماضية ، فقام ليلا على الصّفا وجعل يدعوهم إلى عبادة الله تعالى قبيلة قبيلة : يا بني فلان ، إلى الصّباح ، يحذّرهم بأس الله ، فقال قائلهم : إنّ صاحبكم هذا - يعني محمّدا - لمجنون ، بات يهوّت (٢) إلى الصّباح (٣) .
﴿أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ
عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد توبيخهم على عدم التفكّر في حال النبيّ صلىاللهعليهوآله حتّى يعلّموا صدقه ، وبخهم على ترك النّظر والتأمّل في شواهد التّوحيد بقوله : ﴿أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ قيل : إنّ التّقدير : أكذبوا محمّدا صلىاللهعليهوآله في دعوته إلى التّوحيد ، ولم ينظروا بنظر الاعتبار ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ولم يتأمّلوا في مملكة الله الوسيعة ، وآثار قدرته وحكمته ووحدانيّته الظّاهرة فيها ، ﴿وَ﴾ في ﴿ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ وموجود حقير أو جليل ، صغير أو عظيم ، حتّى يطّلعوا على غاية عظمته وقدرته وتوحيده.
__________________
(١) في النسخة : رابعة.
(٢) هوّت به : صاح.
(٣) تفسير روح البيان ٣ : ٢٨٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
