أقول : الظّاهر أنّ المراد من قوله : « هذه لكم » أنّ من نعم الله عليكم أنّه جعل فيكم جماعة بهذه الصّفات ، كما اعطي قوم موسى مثل هذه النّعمة من أنّه جعل منهم هداة مهديّين ، وعليه يحمل قوله تعالى : ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ فإنّ الظاهر أنّ المراد من قوله : ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ أنّ لهم ملكة العدل والهداية بحيث لا يمكن تخلّفهم عنهما ، ومن المعلوم أنّ جميع الأمّة لا يكونون كذلك ، بل ولا جميع المهاجرين والأنصار ، لوضوح كثرة العصاة والجائرين فيهم ، فلا بدّ من القول بأن المراد بعضهم ، وقد اجمعت الامّة على أنّ عليّا والمعصومين من ذريّته عليهمالسلام كانوا على تلك الصّفات ، وهم الباقون إلى نزول عيسى ، ولو لا هؤلاء لساخت الأرض بأهلها.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد الإخبار بوجود أئمّة يهدون إلى الحقّ بآياته ، هدّد المكذّبين بالآيات بقوله : ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ من امّة محمّد صلىاللهعليهوآله المرفوع عنهم عذاب الاستئصال ببركة نبيّهم ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ ونقرّبهم إلى الهلاك متدرّجا بإكثار النّعم عليهم ، وإغراقهم في اللذّات والشّهوات ، وإنسائهم التوبة حتّى يقعوا في العذاب ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ به ولا يدركون ما يراد بهم.
عن الصادق عليهالسلام أنّه سئل عن هذه الآية ، فقال : « هو العبد يذنب الذّنب فتجدّد له النّعمة ، تلهيه تلك النعمة عن الاستغفار من ذلك الذنب » (١) .
وعنه عليهالسلام : « إذا أراد الله بعبد خيرا فأذنب ذنبا أتبعه بنقمة ويذكّره الاستغفار ، وإذا أراد بعبد شرّا فأذنب ذنبا أتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ويتمادى بها ، وهو قول الله عزوجل : ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ بالنّعم عند المعاصي » (٢) .
﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾
ثمّ بيّن سبحانه أنّ من جملة أنحاء استدراجهم إطاعة أعمارهم بقوله : ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ وامهلهم في الدّنيا بإطالة أعمارهم ليتمادوا في العصيان والغفلة ، ويزدادوا كفرا وعتوّا ﴿إِنَّ كَيْدِي﴾ وأخذي
__________________
- منسوبا الى ( المجمع ) ، والذي في ( مجمع البيان ): « هي لامّتي ، بالحق يأخذون ، وبالحق يعطون ، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها (وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) [ الأعراف : ٧ / ١٥٩ ] » . مجمع البيان ٤ : ٧٧٣ ، تفسير الصافي ٢ : ٢٥٦.
(١) الكافي ٢ : ٣٢٧ / ٣ ، تفسير الصافي ٢ : ٢٥٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
