تجرّدوني ، فسلّ واحد منهم عليه السكّين وقال : لئن لم تنزعه لأقتلنّك ، فنزعه فدلّوه في البئر وتنحّوا عنه ، فقال يوسف في الجبّ : يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ارحم ضعفي وقلّة حيلتي وصغري (١) .
وروي أنّه قال : يا شاهدا غير غائب ، ويا قريبا غير بعيد ، ويا غالبا غير مغلوب ، اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا (٢) .
وفي رواية اخرى : اجعل لي فرجا ممّا أنا فيه (٣) .
وروي أنّه ذكر الله بأسمائه الحسنى ، فسمعه الملائكة فقالوا : يا ربّ نسمع صوتا حسنا في الأرض (٤) ، فأمهلنا ساعة ، فقال الله : أ لستم قلتم : أ تجعل فيها من يفسد فيها ؟ فحفّته الملائكة فأنس بهم(٥).
وقيل : إنّ الله أوحى إلى جبرئيل : أدرك عبدي قبل أن يصل إلى قعر البئر ، فأدركه جبرئيل وأخذه بيده ، وأجلسه على صخرة كانت في قعر البئر ، وألبسه قميص الخليل الذي عوذه به يعقوب ، وأطعمه من طعام الجنّة وشرابها (٦) .
وروي أن هوامّ الأرض (٧) قال بعضها لبعض : لا تخرجنّ من مساكنكنّ ، فإنّ نبيّا من الأنبياء نزل بساحتكنّ ، فأنجحرن إلّا الأفعى ، فإنّها قصدت يوسف ، فصاح بها جبرئيل ، فصمّت وبقي الصّمم في نسلها (٨) .
ثمّ حكى سبحانه ألطافه بيوسف ، وكأنّه قال : فحفظناه ﴿وَأَوْحَيْنا﴾ بتوسّط جبرئيل ﴿إِلَيْهِ﴾ إيناسا له ، وإزالة لوحشته ، وتبشيرا له أن لا تخف ولا تحزن ، إنّا نخلّصك من الجبّ ، ونرفع مكانك ، ونمكّنك في الأرض ، ونحوج إليك إخوتك حتّى يجيئوك خاضعين متذلّلين ، فعند ذلك والله ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ وتخبرنّهم ﴿بِأَمْرِهِمْ﴾ وعملهم ﴿هذا﴾ الذي صدر منهم ﴿وَ﴾ الحال أنّ ﴿هُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بأنّك يوسف لتباين حالك هذا وحالك حين ملاقاتهم ، حيث إنّك يومئذ عالي الشّأن ، عظيم السّلطان ، متغيّر الهيئة والصّورة ، لطول عهدهم بك.
وفيه إشارة إلى دخولهم عليه بمصر ممتارين (٩) ، فعرفهم وهم له منكرون.
__________________
(١) تفسير القمي ١ : ٣٤٠ ، تفسير الصافي ٣ : ٩.
(٢) تفسير الرازي ١٨ : ٩٩ ، تفسير روح البيان ٤ : ٢٢٤.
(٣) تفسير روح البيان ٤ : ٢٢٤.
(٤) في تفسير روح البيان : الجب.
(٥) تفسير روح البيان ٤ : ٢٢٤.
(٦) تفسير روح البيان ٤ : ٢٢٤ ، وفي النسخة : شرابه ، بدل : شرابها.
(٧) في تفسير روح البيان : البئر.
(٨) تفسير روح البيان ٤ : ٢٢٤.
(٩) ممتارين : طالبين وجامعين للميرة ، وهي الطعام.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
