قيل : كان بين رؤيا يوسف ووقوع تعبيره عشرون أو أربعون ، أو ثمانون سنة (١) .
قال بعض الحكماء : إنّ الرّؤيا الرّديئة يقع تعبيرها عن قريب ؛ لأنّ رحمة الله بعباده أن لا يعلمهم بسوء أو شرّ إلا قريبا من وقوعه لئلّا تطول مدّة حزنهم ، بخلاف الرّؤيا الحسنة المبشّرة ، فإنّها تطول مدّة وقوع تعبيرها ، ليكون السّرور الحاصل بها أكثر وأتمّ (٢) .
﴿لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾
ثمّ نبّه سبحانه على أنّ إخبار النبيّ صلىاللهعليهوآله بقصّة يوسف دليل على صدق دعواه في التّوحيد [ و] النبوّة بقوله : ﴿لَقَدْ كانَ فِي﴾ قصّة ﴿يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ الأحد عشر ﴿آياتٌ﴾ باهرة ، ودلالات ظاهرة على توحيد الله وقدرته وحكمته ، وحجج تامّة على صحّة نبوّة محمّد صلىاللهعليهوآله وصدق كتابه ؛ لأنّه اميّ ، وعلى حفظه من شرّ الأعداء وإن حسده الحاسدون ، وعلى نصره عليهم وتعلية قدره وإن طال الزّمان ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ عنها والمستمعين لها.
وعن ابن عبّاس قال : دخل حبر من اليهود على النبيّ صلىاللهعليهوآله فسمع منه قراءة يوسف ، فعاد إلى اليهود فأعلمهم أنّه سمعها منه كما في التّوراة ، فانطلق نفر منهم فسمعوا كما سمع ، فقالوا : من علّمك هذه [ القصة ] ؟ فقال : « الله علّمني » ، فنزل : ﴿لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ...﴾ الآية (٣) .
﴿إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ
مُبِينٍ (٨)﴾
ثمّ شرح سبحانه قصّتهم بقوله : ﴿إِذْ﴾ الإخوة ﴿قالُوا﴾ فيما بينهم : والله ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ بنيامين ﴿أَحَبُّ إِلى أَبِينا﴾ يعقوب ﴿مِنَّا﴾ والحال أنّهما صبيّان ضعيفان ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ورجال أقوياء وكفاة ، قوّامون باموره ومصالحه ، قيل : إنّ العصبة عشرة رجال فصاعدا (٤) ، وقالوا : إنّه لحبّه لهما يفضّلهما علينا ، والله ﴿إِنَّ أَبانا﴾ بعمله ذلك ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وخطأ ظاهر. وإنّما قالوا ذلك مع اعترافهم بنبوّة أبيهم ، لقصور معرفتهم بشأن النبيّ من كونه معصوما عن الخطأ حتّى في العاديّات.
قيل : إنّ شدّة حبّ يعقوب لهما إنّما كان لموت امّهما في صغرهما ، وظهور آثار الرّشد والنّجابة فيهما أزيد ممّا كان يجده في سائر أولاده (٥) ، ولعلمه بأنّ يوسف وارث نبوّته.
__________________
(١) مجمع البيان ٥ : ٣٢٠ ، تفسير الرازي ١٨ : ٨٧ ، تفسير أبي السعود ٤ : ٢٥٢.
(٢) تفسير الرازي ١٨ : ٨٧.
(٣) تفسير الرازي ١٨ : ٩٢.
(٤) تفسير الرازي ١٨ : ٩٢ ، تفسير روح البيان ٤ : ٢١٨.
(٥) تفسير الرازي ١٨ : ٩٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
