﴿نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ ويضمّ في حقّك إلى النبوّة التي هي أعظم نعمه الواقعيّة الرّوحانيّة ، الملك الذي هو أعظم نعمه الظّاهريّة الجسمانيّة ، أو المراد به : يكمل عليك الحظوظ الدّنيويّة والاخرويّة ﴿وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ ونسله وأشراف قومه ، بأن يصل نعمهم الدّنيويّة بالنّعم الاخرويّة ، ويجمع لهم السّعادة في الدّارين ، من كثرة الأولاد والخدم ، والتّوسعة في المال والجاه ، والوقع في القلوب ، ومعرفة الله ، ووفور العلم ، وحسن الأخلاق والعاقبة ، دون النبوّة في أولاده الصّلبيين ، لكونهم بالظّلم على يوسف عصاة ، ولا يكون النبيّ إلّا معصوما من المعاصي والخطأ والزلل من أوّل عمره ، ولا دلالة لرؤيتهم في المنام بصورة الكواكب التي يهتدى بها في ظلمات البرّ والبحر ، على نيلهم منصب النبوّة ، لكفاية صيرورتهم ذوي الفضل والعلم ، بحيث يستضاء بهم في ظلمات الجهل والضّلال كسائر العلماء الرّاشدين ، في تعبير الكواكب ، ولا شبهة في صدق إتمام النّعم عليهم بذلك ، وصحّة التّشبيه بقوله : ﴿كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أعني ﴿إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ﴾ حيث جمع الله لهما حظّ الدّنيا ؛ من السّعة في المال والجاه ، والعظمة في القلوب ، وحظّ الآخرة ؛ من النبوّة والرّسالة.
وقيل : يعني : يتمّ نعمته عليك بخلاصك من السّجن والمحن ، كما أتمّها على أبويك إبراهيم بنجاته من النّار ، وإسحاق بتخليصه من الذّبح (١) .
وفيه : أنّه قد ثبت أنّ الخلاص من الذّبح كان لإسماعيل ، لا لإسحاق.
وقيل : إتمام النّعمة على إبراهيم عليهالسلام بإنجائه من النّار وذبح الولد ، واتّخاذه خليلا ، وعلى إسحاق بإخراج يعقوب والأسباط من صلبه ، واتّخاذه رسولا (٢) .
وإنّما عبّر عن إبراهيم وإسحاق بالأبوين مع كونهما جدّيه ، لكون الجدّ أبا حقيقة ، ولبيان كمال ارتباطه بالأنبياء العظام.
ثمّ بيّن استحقاقه للاجتباء بقوله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يفعل ذلك لأنّه ﴿عَلِيمٌ﴾ بحقائق الأمور ، فلا يخفى عليه استحقاقك للاجتباء وإتمام النّعمة ، و﴿حَكِيمٌ﴾ ومعطي كلّ شيء ما يستحقّه ، وفاعل لما هو صلاح وصواب.
عن الباقر عليهالسلام : « تأويل رؤيا يوسف أنّه سيملك مصر ، ويدخل عليه أبواه وإخواته ، أمّا الشّمس فإنّها امّه راحيل - وفي رواية : خالته - ، والقمر يعقوب ، وأمّا الأحد عشر كوكبا فإخوته. فلمّا دخلوا عليه سجدوا لله شكرا لله وحده حين نظروا إليه » . الخبر (٣) .
__________________
(١) تفسير الرازي ١٨ : ٩٠.
(٢) تفسير روح البيان ٤ : ٢١٦.
(٣) تفسير القمي ١ : ٣٣٩ ، تفسير الصافي ٣ : ٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
