يخرجوا منها اعيدوا فيها ، ويردّوا إلى أسفل دركاتها ، فالزّفير ارتفاعهم في النّار ، والشّهيق انحطاطهم فيها (١) ، حال كونهم ﴿خالِدِينَ﴾ ودائمين ﴿فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ وبقيا في عالم الآخرة ، فإنّ لأهل الآخرة سماوات وأرضا لقوله تعالى : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾(٢) ، وللرّوايات الدالّة على أنّ لجهنّم جبالا وأودية.
وقيل : إنّ الكلمة كناية في لسان العرب عن الدّوام (٣) ؛ كقولهم : ما لاح كوكب ، وما اختلف اللّيل والنّهار ، ولو لم تكن سماوات وأرض وكوكب ، للنّصوص القاطعة على دوام العذاب والنّعمة في الآخرة وأبديّتهما ، فلا مجال للقول بانقطاع عذاب الكفّار للآية وبعض الوجوه الفاسدة.
وقيل : إنّ المراد : السماوات والأرض الدّنيويّة (٤) .
وعن القمّي : هذا في نار الدّنيا قبل يوم القيامة (٥) .
وقيل : إنّ الأبديّة مفهومة من قوله : ﴿إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ بناء على أن ( إلّا ) بمعنى سوى ، والمعنى : أنّهم يكونون في النّار في مدّة بقاء السماوات والأرض سوى ما يتجاوز عن ذلك من الزّيادة التي لا آخر لها (٦) .
وفيه من الضّعف ما لا يخفى ، وأكثر المفسّرين على أنّ الاستثناء على ( حقبا ) ، وأنّ الآية في بيان عذاب الكفّار في الآخرة لا في البرزخ ، والمعنى : إلا زمانا شاء ربّك عدم خلودهم فيها ، ولم يشأ ولا يشاء ذلك أبدا ، وإنّما المقصود بيان أنّ خلودهم فيها بإرادة الله ولو شاء لا يخلّدهم ، ولكن لا يشاء ذلك البتّة ، للأدلّة القطعيّة على خلودهم فيها وعدم خروجهم منها. ويؤيّد ذلك تذييل الآية بقوله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ﴾
وقيل : إنّ المراد من المستثنى مدّة أعمارهم في الدّنيا ، أو مدّة مكثهم في القبر والبرزخ ، أو في المحشر للحساب ، ثمّ يصيرون إلى النّار (٧) . والكلّ فاسد.
وقيل : زمان خروجهم من النّار ، وانتقالهم إلى الزّمهرير وسائر أنواع العذاب (٨) .
وقيل : إنّ المراد استثناء أشقياء أهل التّوحيد ، فإنّه لا خلود لهم فيها (٩) .
وعن الباقر عليهالسلام : « هاتان الآيتان - يعني : هذه الآية ، وما بعدها - في غير أهل الخلود من الأشقياء والسّعداء » (١٠) .
__________________
(١) تفسير الرازي ١٨ : ٦٢.
(٢) إبراهيم : ١٤ / ٤٨.
(٣) تفسير الرازي ١٨ : ٦٤.
(٤) تفسير الصافي ٢ : ٤٧٣.
(٥) تفسير القمي ١ : ٣٣٨ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٧٣.
(٦) تفسير الرازي ١٨ : ٦٥.
( ٧و٩ ) تفسير الرازي ١٨ : ٦٦.
(١٠) تفسير العياشي ٢ : ٣٢٣ / ٢٠٥٤ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٧٣ ، وفيهما : من أهل الشقاوة والسعادة.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
