مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ يجمع الله عزوجل فيه الأوّلين والآخرين » (١) .
﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ
سَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خالِدِينَ فِيها ما
دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٥) و (١٠٧)﴾
ثمّ بيّن سبحانه علّة تأخيره بقوله : ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ لعلّة من العلل ﴿إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ وانقضاء مدّة قليلة تقتضيها الحكمة البالغة ، فإذا انقضت فلا بدّ من خراب الدّنيا وقيام القيامة ، وكلّ آن قريب.
ثمّ قرّر سبحانه عظمة ذلك اليوم ، بذكر بعض أحواله بقوله : ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ الأمر المهيب الهائل ، أو ذلك اليوم ؛ بتأويل اليوم المذكور بحين ، إذن ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ ولا تنطق فيه بما ينفعها من الاعتذار والشّفاعة والجواب ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وإرادته ، أو بترخيصه لها في التكلّم. قيل : إنّه في بعض المواقف (٢) .
ثمّ بيّن سبحانه أحوال أهل الموقف بقوله : ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌ﴾ وخبيث النّفس والعمل ، مستحقّ للعذاب ﴿وَ﴾ منهم ﴿سَعِيدٌ﴾ طيّب النفس والعمل ، مستحقّ للثّواب والإكرام.
ثمّ كأنّه قيل : ما حالهم وشأنهم ؟ فأجاب تعالى بقوله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ يدخلون ويستقرّون ، فيشتدّ كربهم وبلاؤهم ، بحيث يكون ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ﴾ وصوت كصوت الحمار عند ردّ نفسه ﴿وَشَهِيقٌ﴾ وصوت كصوته عند إخراج نفسه.
وقيل : الزّفير في الحلق ، والشّهيق في الصّدر (٣) .
وقيل : الزّفير الصّوت الشّديد ، والشّهيق الصوت الضّعيف (٤) .
وقيل : الزّفير ما يجتمع في الصّدر من النفس عند البكاء الشّديد ؛ فينقطع النّفس ، والشهيق هو الصوت الذي يظهر عند اشتداد الكرب والحزن ، وربّما تتبعهما الغشية ، وربّما حصل عقيبهما الموت (٥) .
والمراد وصف شدّة كربهم وتشبيه حالهم بحال من استولت على قلبه الحرارة ، وانحصر فيه روحه.
وعن ابن عبّاس قال : ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ يريد ندامة ، ونفسا عاليا ، وبكاء لا ينقطع ، وحزنا لا يندفع (٦) .
وقيل : الزّفير لهيب جهنّم ، يرفعهم بقوّته ، حتّى إذا وصلوا إلى أعلى درجات جهنّم وطمعوا في أن
__________________
(١) الكافي ٨ : ٧٣ / ٢٩ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٧٢.
(٢) تفسير أبي السعود ٤ : ٢٤١.
(٣) تفسير الرازي ١٨ : ٦٢.
(٤) تفسير الرازي ١٨ : ٦٣.
(٥) تفسير الرازي ١٨ : ٦٢.
(٦) تفسير الرازي ١٨ : ٦٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
