﴿عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَيا
قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ
وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٨٩) و (٩٣)﴾
ثمّ بالغ في نصحهم بقوله : ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ ولا يحملنّكم ﴿شِقاقِي﴾ وعداوتي على ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾ بكفركم ولجاجكم ﴿مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ من العذاب ، فإن لم تعتبروا باولئك الامم المهلكة ؛ لبعد مكانهم وزمانهم ، فاعتبروا بقوم لوط ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ مكانا لقرب بلادهم من مدين ، وزمانا لكون زمان إهلاكهم أقرب إلى زمانكم من زمان هلاك هؤلاء الأقوام ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ من الإشراك به ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ من التّطفيف وغيره من المعاصي ، حتّى يغفر لكم ، ويتوب عليكم ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ بعباده التّائبين ﴿وَدُودٌ﴾ ومحبّ لهم ، ينجيهم من العذاب ، ويعطيهم الثّواب.
﴿قالُوا﴾ بعد تلك المواعظ الكافية ، إهانة له : ﴿يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ﴾ ولا نفهم ﴿كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ قيل : إنّما كانت علّة عدم فهمهم غاية نفرتهم عن كلامه (١) ، أو عدم معرفتهم صحّة دلائل التّوحيد ، وشناعة البخس والتّطفيف.
ثمّ بالغوا في تحقيره بقولهم : ﴿وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا﴾ وبيننا ﴿ضَعِيفاً﴾ في القوى الجسمانيّة ، بحيث لا تقدر على الدّفاع إن آذيناك وقتلناك ، أو مهينا لا عزّ لك ﴿وَلَوْ لا رَهْطُكَ﴾ وحرمة أقاربك الّذين هم على ديننا ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ وقتلناك بأسوأ القتل ، وهو رميك بالحجارة ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ومكرم ، وإنّما يحفظك من الرّجم حرمة قومك لا حرمتك.
﴿قالَ﴾ شعيب : ﴿يا قَوْمِ أَ رَهْطِي﴾ وعشيرتي ﴿أَعَزُّ﴾ وأكرم ﴿عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ﴾ العزيز القاهر الذي أرسلني إليكم لتبليغ توحيده وأحكامه ، فإنّ إهانتي وإيذائي إهانته وإيذاؤه ﴿وَ﴾ أنتم ﴿اتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ ونبذتموه خلف أظهركم ، وجعلتموه منسيّا لا تعتنون به أبدا.
ثمّ إنّه بعد توبيخهم على جعل رعاية قومه أولى من رعاية حرمة الله ، هدّدهم بقوله : ﴿إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ﴾ من القبائح والسيّئات ﴿مُحِيطٌ﴾ ومطّلع ، بحيث لا يخفى منه شيء ، فيجازيكم عليها أسوأ الجزاء ﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا﴾ واسعوا في الإضرار بي ، وإيصال الشرّ إليّ ﴿عَلى﴾ قدر ﴿مَكانَتِكُمْ﴾ ووسعكم ، بلا تقصير وتوان ، و﴿إِنِّي﴾ أيضا ﴿عامِلٌ﴾ ومجدّ قدر وسعي في التّبليغ وإتمام الحجّة
__________________
(١) تفسير البيضاوي ١ : ٤٦٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
