لأنت السّفيه الجاهل ، فحكى (١) الله عزوجل قولهم : فقال : ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾(٢) .
وقيل : إنّ الحليم الرّشيد ؛ بلغة أهل مدين ، الأحمق السّفيه (٣) .
وقيل : إنّه تعليل لما سبق من استبعادهم قوله ، والمعنى : إنّك لأنت الحليم الرّشيد على زعمك ، فلا ينبغي منك هذه الأقوال الفاسدة (٤) .
﴿قالَ﴾ شعيب : ﴿يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾ وأخبروني ﴿إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ وحجّة واضحة على نبوّتي ، أو حكمة كاملة اوتيتها ﴿مِنْ﴾ قبل ﴿رَبِّي﴾ ومليكي ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ﴾ بفضله ﴿رِزْقاً حَسَناً﴾ ومالا حلالا يكفيني في معيشتي وراحتي ، أو وهبني من النّبوّة مرتبة عالية ، فهل يسعني ؛ مع هذا الإنعام العظيم وتفضّله عليّ بالسّعادة الجسمانيّة والرّوحانيّة ، أن اقصّر في تبليغ وحيه ، واخالفه في أمره ونهيه ، بأن اوافق معكم ولا آمركم بترك عبادة الأصنام وقبائح الأعمال ، مع أنّه تعالى أرسلني إليكم لذلك ؟ ! ﴿وَما أُرِيدُ﴾ بنصحي لكم وردعكم عمّا أنتم عليه ﴿أَنْ أُخالِفَكُمْ﴾ وما أنا مائل ﴿إِلى ما أَنْهاكُمْ﴾ وأزجركم ﴿عَنْهُ﴾ من المشتهيات ، بل أختار لكم ما أختار لنفسي ، وأزجركم عمّا أنزجر عنه ، وأنتم تعرفون من حالي مدّة عمري بينكم أنّي ﴿إِنْ أُرِيدُ﴾ وما أطلب بنصحي ﴿إِلَّا الْإِصْلاحَ﴾ لنفوسكم وأعمالكم ، وتنزيهكم عن القبائح مقدار ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾ من الإصلاح ، أو ما دمت متمكّنا منه ، وما اريد إلقاء الفتنة فيكم ﴿وَما تَوْفِيقِي﴾ لإنفاذ مقصودي وتحقيق مرامي المذكور ﴿إِلَّا بِاللهِ﴾ الموفّق لكلّ خير. وفيه تنبيه على عدم جواز اعتماد المؤمن في أعماله على قدرته.
ثمّ قرّر ذلك بقوله : ﴿عَلَيْهِ﴾ تعالى ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ واعتمدت في القيام بوظيفتي عمّا سواه ؛ لأنّه القادر على كلّ شيء ، وما سواه عاجز عن كلّ شيء ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ وأرجع فيما أنا بصدده من الإصلاح والإرشاد ، أو إليه أقبل بشراشري في جميع اموري. وفيه إعلان بكمال توحيده ، وبعدم مبالاته بعداوة النّاس ، وإشعار بمعرفته بالمعاد.
﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ
أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ * وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ
رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ * قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا
ضَعِيفاً وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ * قالَ يا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ
__________________
(١) في المصدر : فكنى.
(٢) تفسير القمي ١ : ٣٣٧ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٦٨.
(٣) تفسير روح البيان ٤ : ١٧٤.
(٤) تفسير أبي السعود ٤ : ٢٣٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
