عن ابن عبّاس : ثمّ انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط ، وبين القريتين أربعة فراسخ ، ودخلوا عليه على صورة شبّان مرد من بني آدم ، وكانوا في غاية الحسن (١) .
﴿وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً﴾ ورآهم بتلك الصّفة من الحسن والجمال ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ وخاف من قومه عليهم ، أو على نفسه حيث منعوه من أن يدخل عليه الضّيف ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ وقلّت بمكانهم طاقة تحمّله ، أو ضاق صدره أو قلبه وانقبض من ورودهم عليه ، لعلمه بخبث قومه ، وعجزه عن دفاعهم عنهم ﴿وَقالَ﴾ تلهّفا : ﴿هذا﴾ اليوم ﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ وشديد عليّ أمره.
روي أنّ الله تعالى قال للملائكة : لا تهلكوهم حتّى يشهد عليهم لوط أربع شهادات ، فلمّا مشى منطلقا بهم إلى منزله قال لهم : أما بلغكم أمر هذه القرية ؟ قالوا : وما أمرها ؟ قال : أشهد بالله أنّهم لشرّ قوم في الأرض عملا - يقول ذلك أربع مرّات - ، فدخلوا منزله ولم يعلم بذلك أحد ، فخرجت امرأته فأخبرت به قومها وقالت : إنّ في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قطّ (٢) .
﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ﴾ وهو في بيته مع أضيافه ، وهم ﴿يُهْرَعُونَ﴾ ويسرعون ﴿إِلَيْهِ﴾ لشدّة طلبهم الفاحشة من أضيافه ﴿وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ ويرتكبون القبائح ، ويتمرّنون عليها ، بحيث لم يبق في نظرهم قبحها (٣) ، ولذا كانوا متجاهرين بها ، غير مستحيين منها. فلمّا رآهم لوط وعلم بقصدهم ﴿قالَ﴾ لهم وقاية لأضيافه ، وإظهارا لغاية كرامة نفسه : ﴿يا قَوْمِ﴾ إن تريدون قضاء الشّهوة فانظروا ﴿هؤُلاءِ﴾ النّسوة ﴿بَناتِي﴾ فاقضوا بهنّ الشّهوة ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ وأنزه.
قيل : كانوا يطلبونهنّ من قبل ولا يجيبهم ، لخبثهم وعدم كفاءتهم (٤) ، ولم يقل ذلك على الجدّ والحقيقة ، وإنّما قاله طمعا في أن يستحيوا أو يرقّوا له ، فينزجروا عمّا أرادوا.
وعن القمّي : عنى به أزواجهم ، وذلك أنّ النبيّ أبو امّته ، فدعاهم إلى الحلال ، ولم يكن يدعوهم إلى الحرام (٥) .
وحكي ذلك عن مجاهد وسعيد بن جبير (٦) .
ثمّ نصحهم بقوله : ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ في ارتكاب الفاحشة بإتيان الذّكران ، ثمّ تضرّع إليهم بقوله : ﴿وَلا تُخْزُونِ﴾ ولا تفضحوني ، أو لا تخجلوني عند النّاس ﴿فِي﴾ شأن ﴿ضَيْفِي﴾ هؤلاء ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ومهتد إلى الحقّ ، ومنكر لفعل القبيح يردّ هؤلاء الأوباش.
__________________
(١) تفسير الرازي ١٨ : ٣١.
(٢) تفسير أبي السعود ٤ : ٢٢٧.
(٣) في تفسير روح البيان ٤ : ١٦٧ واستمروا حتى لم تعب عندهم قباحتها.
(٤) تفسير أبي السعود ٤ : ٢٢٨.
(٥) تفسير القمي ١ : ٣٣٥ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٦١.
(٦) مجمع البيان ٥ : ٢٧٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
