ثمّ حثّوها على الحمد والثّناء على الله بقوله : ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ ومحمود بذاته ، أو مستحقّ للحمد من عباده ﴿مَجِيدٌ﴾ فيما ينعم عليهم. قيل : إن المجيد الشّريف ذاته ، الجميل أفعاله ، الجزيل عطاؤه (١).
﴿فَلَمَّا ذَهَبَ﴾ وزال ﴿عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ والخوف الذي طرأ عليه (٢) من عدم أكل الرّسل عنده ، لمّا عرف أنّهم الملائكة ولم يجيئوا لتعذيب قومه ﴿وَجاءَتْهُ الْبُشْرى﴾ بنجاة قومه ، أو بالولد ، كان ﴿يُجادِلُنا﴾ ويكلّمنا بمكالمة رسلنا ﴿فِي﴾ شأن ﴿قَوْمِ لُوطٍ﴾ ورفع العذاب عنهم بشفاعته.
قيل : إنّه قال لهم - حين قالوا : إنّا مهلكو أهل هذه القرية : أ رأيتم إن كان فيها خمسون رجلا من المؤمنين ، أتهلكونها ؟ قالوا : لا ، قال : فأربعون ؟ قالوا : لا ، قال : فثلاثون ؟ قالوا : لا ، حتّى بلغ العشرة ، قالوا : لا ، قال : فرجل واحد مسلم ؟ قالوا : لا ، قال : إنّ فيها لوطا (٣) .
﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ * يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ
وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ * وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ
بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا
يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ
فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ * قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ
حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ * قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ *
قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا
يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ
بِقَرِيبٍ (٧٥) و (٨١)﴾
ثمّ لمّا كان الباعث على المجادلة صفاته الحميدة ، مدحه الله بها بقوله : ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ ومساهل في الانتقام من المسيئين ﴿أَوَّاهٌ﴾ وشديد الأسف على المذنبين ﴿مُنِيبٌ﴾ ورجّاع إلى الله ، ضرّاع إليه.
ثمّ قالت الرّسل : ﴿يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ﴾ وكفّ ﴿عَنْ هذا﴾ الجدال والترحّم بمن ليس أهلا للرّحمة ، والإشفاق على من لا يليق بالشّفقة ﴿إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ وبلغ وقت جريان قدره على وفق قضائه في حقّ قوم لوط ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ﴾ ونازل عليهم ﴿عَذابٌ﴾ شديد ﴿غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ ولا مدفوع عنهم بجدال أو شفاعة ودعاء.
__________________
(١) تفسير روح البيان ٤ : ١٦٤.
(٢) في النسخة : طرأه.
(٣) تفسير الرازي ١٨ : ٢٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
