﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ
أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ
مُجِيبٌ (٦١)﴾
ثمّ أتبع سبحانه قصّة ثمود بالقصّتين ازديادا لعبرة المشركين ، وتسلية للنبيّ عليهالسلام والمؤمنين بقوله : ﴿وَإِلى﴾ قبيلة ﴿ثَمُودَ﴾ الّذين هم من العرب سمّوا باسم أبيهم الأكبر (١) ، أرسلنا ﴿أَخاهُمْ﴾ ورجلا منهم سمّي ﴿صالِحاً﴾ قيل : هو ابن عبيد بن اسف بن ماشح بن عتيد بن حادر (٢) بن ثمود (٣)﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده لأنّه ﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾
ثمّ استدلّ على استحقاقه العبادة بنعمه الدالّة على كمال قدرته ورحمته حثّا لهم عليها بقوله : ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ﴾ وخلقكم بقدرته من آدم ، أو من المنيّ المتكوّن من الأغذية النباتيّة ، ومعلوم أنّ آدم أو النّبات مخلوق ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ وترابها ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾ واستبقاكم مدّة طويلة ، أو أقدركم على العمارة ﴿فِيها﴾ أو جعلها لكم نحو العمري (٤) ، بأن أسكنكم فيها مدّة حياتكم ، ثمّ جعلها بعد موتكم لغيركم ، فإذا كان الله بهذه المرتبة من القدرة عليكم ، والإحسان إليكم ، المقتضيين للخوف من عصيانه والشّكر له ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ عمّا صدر منكم من العصيان وكفران النّعمة ﴿ثُمَّ تُوبُوا﴾ وارجعوا ﴿إِلَيْهِ﴾ بالإيمان بوحدانيّته ، والنّدم على الشّرك ، والعزم على عدم العود إليه ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ منكم علما وإحاطة ، يسمع استغفاركم ، ويرى تضرّعكم ، أو قريب الرّحمة منكم ﴿مُجِيبٌ﴾ لدعائكم.
قيل : إنّ قوله : ( قريب ) ناظر إلى أمره بالتّوبة ، و( مجيب ) إلى أمره بالاستغفار ، كأنّه قال : ارجعوا إليه فإنّه قريب ، واسألوه المغفرة فإنّه مجيب (٥) .
﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا
لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي
وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ *
وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ
__________________
(١) تفسير أبي السعود ٤ : ٢٢٠ ، تفسير روح البيان ٤ : ١٥٣.
(٢) في تفسير أبي السعود : ماشج بن عبيد بن جادر ، وفي تفسير روح البيان : ماسح بن عبيد بن خاور.
(٣) تفسير أبي السعود ٤ : ٢٢٠ ، تفسير روح البيان ٤ : ١٥٣.
(٤) العمري : من عقود التمليك ، كأن تقول : هذه الدار لك عمرك ، أي ما دمت حيا.
(٥) تفسير روح البيان ٤ : ١٥٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
